قبيلة الرحمة (الفصل الثالث: تجاوز الأمة الواحدة )

إسماعیل شفیعی سروستانی
ووصفا وتبيانا للمنعطف الثاني المهم للبشرية، يذكرّ دعاء الندبة بما جرى للنبي نوح (ع)، ومن دون أن يورد مقدمة مطولة عن ألف عام من الألم والمعاناة والجهد الذي بذله نوح (ع) لدعوة قومه إلى الطريق القويم، يتطرق الدعاء إلى آخر مقتطف من حياة النبي نوح (ع) أي استقلاله والمؤمنين معه، للسفينة التي صنعها بيده، ويقول:
“وَبَعْضٌ حَمَلْتَهُ في فُلْكِكَ وَنَجَّيْتَهُ…”؛

 

ووصفا وتبيانا للمنعطف الثاني المهم للبشرية، يذكرّ دعاء الندبة بما جرى للنبي نوح (ع)، ومن دون أن يورد مقدمة مطولة عن ألف عام من الألم والمعاناة والجهد الذي بذله نوح (ع) لدعوة قومه إلى الطريق القويم، يتطرق الدعاء إلى آخر مقتطف من حياة النبي نوح (ع) أي استقلاله والمؤمنين معه، للسفينة التي صنعها بيده، ويقول:
“وَبَعْضٌ حَمَلْتَهُ في فُلْكِكَ وَنَجَّيْتَهُ…”؛
ومنذ خلقة آدم (ع)، فان البشرية المستغنية عن الشريعة المدونة، عاشت ك”أمة واحدة” في منتهى السلامة والصحة. وتشير آيات متعددة إلى هذه الأمة الواحدة:
“وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ”؛
وهذا الكلام بيّن بصورة أوضح في سورة البقرة:
” كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ …”؛
وقبل نوح (ع)، عاش أنبياء بمن فيهم آدم (ع) وشيث (ع) وإدريس (ع) وكان يوحى إليهم على غرار سائر الأنبياء الإلهيين. وفي هذه الدورات، كان الناس يعيشون كأمة واحدة. ولم يكن مستكبر ليستكبر، ولم يحدث خلاف وخصومة بين المستضعفين والمستكبرين. لذلك فان هؤلاء لم يكونوا بحاجة إلى أحكام تفصيلية فيما يخص القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ومع المواجهة والعداء الذي اندلع بين المستضعفين والمستكبرين، زالت الأمة الواحدة وانقسم الناس إلى فئتين، مستكبرة ومستضعفة. وبعث الله تعالى الأنبياء ليرسل معهم الكتب والحكمة للذود عن حقوق المستضعفين لفسخ العلاقات الظالمة وإقامة القسط والعدل بين الناس.
لذلك فقد نزلت أول شريعة منذ عهد نوح (ع). ويقول الله تعالى في الآية 34 من سورة سبأ:
“وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ”؛
وكان المستكبرون والمترفون، يعتبرون أنصار نوح (ع) بانهم أراذل وتوافه وكانوا يطلبون من هذا النبي العظيم أن يطرد الأنصار المستضعفين من عنده.
” قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”؛
وقد بُعث كل من الأنبياء الإلهيين لقوم ما، فجماعة من الملأ والمترفين والمستكبرين تفاخرت بالمال والأبناء وكانت تسعى للقضاء على المستضعفين، لكن الأنبياء وحسب مهمتهم وقفوا بصلابة وقوة بوجه هؤلاء.
ومنذ هذا العصر ومع اضمحلال “الأمة الواحدة” تكرس تاريخ، انتشرت فيه مجموعتان، مستضعفة ومستكبرة وبطريقتي تفكير ورؤية في جغرافيا الأرض.
وفسرت المصادر المختلفة، الملأ بالوجهاء. جماعة تفرض حكمها وسيطرتها على المجتمع مستندة بذلك إلى القوة والسطوة، وتقمع معارضيها وتفرض موقعها من خلال ممارسة النفوذ على الحكومات.
وهذه الوجوه البارزة، التي تستند إلى السلطة والمكانة، تسترعي انتباه الآخرين والمستضعفين تجاهها وتسعى لجعل الجماهير تتماشى معها ومع رؤيتها.
إن المترف هو الرفيق والصديق الحميم للملأ، أصحاب النعمة والمكنة الهائلة، والمنغمسون دائما في الملذات والشهوات. إن هذه الجماعة غارقة في الرفاهية واللذة وفي غفلة عن تأدية الواجبات والمهمات الإلهية والسماوية، وتحجم عن تأدية الواجبات من أجل اكتساب المزيد من الرخاء والنعيم.
إن قصة سير التاريخ بعد حقبة قصيرة من الأمة الواحدة، هي قصة المواجهة بين المستضعفين والمستكبرين والمنعطفات التي يمر بها الملأ والمترفون بين الأقوام لحذف الأنبياء العظام والمستضعفين، والفساد والإفساد على الأرض.
ويقول القرآن الكريم حول نبوة النبي نوح (ع) ومصير قومه:
“وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ”؛
ومع زوال سطوة المستكبرين على اثر الطوفان الضخم، كان الأقوام في راحة لردح من الزمن، لكنهم قاموا مرة أخرى وشكلوا الصفوف من جديد للوقوف بوجه المؤمنين، إلى أن أرسل الله الكريم، ومن منطلق اللطف والرحمة، الرسول المحطم للأصنام.

 

شاهد أيضاً

قبيلة الرحمة (الفصل الثاني: قبيلة صبغة الله)

إسماعیل شفیعی سروستانیوبعد أن يثني الإمام المعصوم (ع) على الله ويحمده في “دعاء الندبة الشريف” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *