الجاليات الإسلامية في الغرب وضرورة التواصل

تمثل الجاليات الإسلامية والعربية في الغرب صورة الإنسان المسلم والشرقي وهذا التمثيل له مردوداته وانعكاساته فقد يأتي بنتائج طيبة إذا نجح في اثبات انتمائه الحقيقي للإسلام وقد تكون نتائجه مخيبة اذا كان هذا التمثيل شكليا، ولكن تبقى هناك حاجة ماسة لمجتمع الجاليات الى تواصل مبرمج وهادف مع المجتمعات الغربية بغية الاندماج وتحقيق التعايش المشترك القائم على اسس الاحترام والعدالة وفهم الآخر.

-من المهم دعم الأنشطة التواصلية الناجحة ويجب سحب البساط من تحت الجماعات التي تقدم صورة قاتمة عن الإسلام.

ويرى الكاتب والأديب علي حسين عبيد ان “التواصل المعرفي بين الجاليات العربية والإسلامية من ناحية والغربية من ناحية أخرى، أمر لابد منه، ولا يمكن إهماله من الطرفين، فالعرب والمسلمون يفرض عليهم الواقع المعيشي في الغرب أن يعرفوا الناس الذين يعيشون بينهم ويتعاملوا معهم مرغمين، إذ كيف يمكنك العيش مع إنسان لا تعرف من هو؟ أو كيف يفكر وبماذا يؤمن وماذا يكره ويحب؟، هذه الأسئلة لا يمكن إهمالها، لذلك لابد أن يعرف العرب والمسلمون الكثير عن الإنسان الغربي حتى يحسنوا العيش هناك”.

ومضى الكاتب في حديثه “أما التواصل الثقافي فهو أمر بالغ الحساسية، لأن ثقافة المجتمع الغربي في كثير من جوانبها على نقيض مع ثقافة العرب والمسلمين، لذلك من الصعب إتمام هذا النوع من التواصل، وينطبق ذلك على التواصل الاجتماعي بين الطرفين، فالعادات والتقاليد وكثير من القيم الاجتماعية تختلف بين المسلمين والعرب من جهة وبين الغربيين من جهة أخرى، ولكن قد تحدث نسبة من التقارب الثقافي بين الطرفين بما يراعي الثوابت والتقاليد والقيم”.

وبصدد اهتمام الغرب بالجاليات الإسلامية والعربية قال عبيد “هناك اهتمام بنسب معينة، ويأتي هذا النوع من الاهتمام متباينا ولم يأتِ بوتيرة متساوية، فهناك اهتمام رسمي والآخر أهلي، اهتمام الغرب الرسمي يتمثل بما تبديه الحكومات الغربية ومؤسساتها ذات الصلة من أهمية بالمسلمين والعرب باعتبارهم جاليات من مجتمعات أخرى، وتنظر الحكومات إلى فرص الاندماج الممكنة بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والدينية والاجتماعية، لذلك تحدث مشكلات أمام الاندماج القسري، أما الاهتمام الأهلي فهو يحدث على نحو فردي وقد يكون غير منظّم، وهو يقل كثيرا عن الاهتمام الرسمي، ففي العادة لا يهتم الفرد الغربي بالجاليات كثيرا”.

وأضاف ان “هذا النوع من التواصل فيه فوائد وفيه أضرار، الفوائد والمكتسبات تتمثل في وجوب فهم المسلمين والعرب مع من يعيشون، وكيف يحمون أنفسهم، ويطورون حياتهم ومكاسبهم، التي يمكن أن تأتي من خلال بث القيم الإسلامية بين الغربيين وتعريفهم بالإسلام الحقيقي، ومن ثم إمكانية تعريف الغرب بالقيم الصحيحة للإسلام وليس المزيفة التي تقوم بها جماعات متطرفة تدّعي انتماءها للإسلام فتقوم بتشويه صورته في الغرب، المكسب الأهم هو تعريف الغرب بالإسلام وقيمه وبالعادات والقيم الإنسانية للعرب والمسلمين”.

ولفت الكاتب والاديب الى ان  “محاذير التواصل تكمن في احتمال تأثير الثقافة الغربية في بعض المسلمين والعرب، لاسيما في الأشخاص الذين يضعف ارتباطهم بجذورهم مع مرور السنين، لذلك لابد أن تكون هناك فطنة وذكاء عند العرب والمسلمين، في إقامة علاقات متوازنة لا تسمح بالانزلاق في قيم الغرب ولا تغلق الأبواب في إقامة علاقات متوازنة طالما أن واقع العيش مفروض وأمر لا يمكن الخلاص منه”.

واكمل قائلا “يجب أن نقرّ أولا بحتمية هذا النوع من التواصل، لأن العرب والمسلمين لا يعيشون في فراغ ولا يمكنهم الانقطاع عن الآخرين، فالتواصل أمر محتوم، لذلك يجب التفكير في طبيعة وشروط هذا التواصل، والنقطة الأهم في ذلك عدم تأثير القيم الغربية المرفوضة على العرب والمسلمين، لاسيما في الجوانب الأخلاقية والدينية وبعض العادات الاجتماعية، موضحا “الجهة التي تقوم بهذه المهمة يُفضَّل أن تكون مؤسساتية جماعية، كالمنظمات والتجمعات المختلفة، من الأفضل أن تتصدى لهذا النوع من التواصل بشكل جماعي”.

وعن مخرجات التواصل ذكر الكاتب عبيد ان “النسبة الأكبر من مخرجات دور الجاليات العربية والإسلامية مشجّعة وإيجابية، لكن هذا لا ينفي وجود سلوكيات وأفعال وأفكار لا تصب في صالح المسلمين والعرب، لقد حققت كثير من النشاطات العربية والإسلامية حضورا مشرقا ومتميزا في الغرب، وأهم ما في هذه النشاطات أنها حافظت على هويتها الثقافية والدينية الأم، وأنها قدمت صورة مشرقة على الإسلام للمجتمع الغربي، لذلك من الأهمية بمكان دعم هذا النوع من الأنشطة الناجحة، وفي المقابل يجب سحب البساط من تحت الجماعات والأفراد المزيفة التي لا يمكنها تقديم صورة ناصعة عن الإسلام والمسلمين لدى الغرب، وهذه قضية مهمة يجب الانتباه لها حتى لا يختلط الصالح بالطالح”.

وأشار الى العراقيل التي تحول دون عملية التواصل قائلا “ان هذه العراقيل لا يمكن إنكارها، إنها تتواجد بشكل طبيعي نظرا لاختلاف الثقافات والقيم وأساليب العيش، لذلك علينا ان نتفهم وجود هذه العراقيل، ومن ثم البحث في تفاصيل أسبابها، وبعد ذلك علينا أن نهتم كثيرا بوضع الحلول المناسبة لمعالجتها، أو التقليل منها في أضعف الإيمان”.

وأنهى الكاتب عبيد حديثه بالقول “هناك عراقيل ثقافية وهي صعبة، لكن يمكن التعاطي معها بعقلية متوازنة لا تفرّط بالثوابت الإسلامية ولا تنغلق عن التعامل مع الآخرين، وهناك عراقيل اجتماعية لابد من دراستها من لجان وخبرات متخصصة تضع لها الحلول المناسبة بشكل مدروس ومنتظم وجماعي، فما نؤمن به كمسلمين وعرب قد لا يعترف به الغربيون، علينا أن نفهم هذه الحقيقة، ولابد من البحث عن طرائق وسطية تحافظ على ثوابتنا وتبقي على الأبواب مفتوحة للتعاطي مع الغرب لاسيما أننا نتكلم عن جاليات تعيش بينهم”.

اختلاف اللغة وعدم الانخراط في المؤسسات الغربية واغفال موضوع التواصل هي المشاكل التي تواجه عملية التواصل

ويذكر الكاتب والإعلامي محمد عبد الجبار الشبوط ان “تواصل الجاليات العربية وخاصة العراقية مع المجتمعات الغربية قليل بينما الجاليات الهندية او الباكستانية فهي اكثر تواصلا مع الاخرين على حد وصفه”.

ويضيف ان “المواطن الغربي العادي لا يهتم بالتواصل مع الجاليات العربية والاسلامية اما مراكز البحوث والدراسات المتخصصة، فهي تولي جانبا من الاهتمام لهذا التواصل”.

ويذهب الإعلامي الشبوط الى ان “التواصل مع الغرب مفيد ويمكن من خلاله تحقيق مكاسب للجاليات على اقل التقادير و يمكن الوصول الى مراكز مهمة في البرلمان والحكومة والمجالس المحلية”.

وينوّه الى ان “الشباب الذين نشأوا في الغرب ويجيدون لغتهم بشكل اساسي يمكن ان يقوموا بدور التواصل ” .

وفيما يخص دور الجاليات العربية والإسلامية في الحفاظ على صورة مشرقة للإسلام والمسلمين اشار الشبوط الى ان “الدور ضعيف وقد يكون تأثير هذا الدور عكسيا”.

ولفت الى ان “اختلاف اللغة، وعدم الانخراط في المؤسسات القائمة في المجتمعات الغربية، واغفال موضوع التواصل اصلا هي المشاكل التي تواجه عملية التواصل”.

المبادرة الى تواصل مدروس نسوق من خلاله مبادئ التسامح والمحبة يعد خطوة استباقية نتجنب بواسطتها التواصل غير المبرمج

فيما قال استاذ القانون في جامعة الكوفة الدكتور علاء السيلاوي ان “هناك بداية تواصل معرفي وثقافي بين الجاليات العربية والإسلامية والمجتمع الغربي من خلال اقامة مجموعة من الندوات وورش العمل مع الحفاظ على الخصوصيات والثوابت”.

وبين ان “المجتمع الغربي مهتم لاسيما بالعراق على اعتبار ان له عمق وامتدادات دينية وتاريخية وله أثر فيما يتعلق بتأصيل القانون الوضعي العالمي وبالتالي هذا يجعل منه محط اهتمام عالمي”.

وواصل الدكتور السيلاوي حديثه “لا يوجد محاذير من التواصل مع المجتمع الغربي لان التواصل امر مهم ولأننا نريد  الاطلاع على طبيعة تفكيرهم كما ان التخندق العالمي لا يمكن ان يجدي نفعا لاسيما مع الانفتاح ووجود وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت الحواجز ما بين الشعوب، موضحا “المبادرة الى التواصل المدروس الذي نسوق من خلاله مبادئ التسامح والمحبة وغير ذلك هي خطوة استباقية نتجنب بواسطتها التواصل البديل وغير المبرمج وغير المدروس الذي يعطي نتائج سلبية وعكسية”.

واوصى السيلاوي “بضرورة اضطلاع الباحثين والمتنورين والمعتدلين بمهمات التواصل الهادف وان يكونوا سفراء يمثلون مجتمعاتهم وثقافاتهم تمثيلا جيدا، منوّها “لا يمكن وضع فكرة خاصة على مجمل الجاليات بصدد تواصلها مع المجتمعات الغربية تواصلا هادفا لان هذه الجاليات تتنوع من حيث الطبقات الاجتماعية والمستوى العلمي والثقافي وهناك جاليات لا يمكن لها ان تنقل الصورة الجيدة والحقيقية لمجتمعاتها ولا يمكن لها ان تمثل عمق المجتمعات في دولها فربما تكون متضررة او محاربة او لديها مشاكل اقتصادية وهذا أثر على تنشئتها وقدرتها على التأثير ولكن هناك ثمة جاليات وطبقات اجتماعية من المغتربين لعبوا دورا ايجابيا وبناءً وكانوا خير من يمثل العمق الإسلامي والشرقي”.

وأتم السيلاوي حدثيه قائلا “لا توجد عراقيل ولكن اختلاف اللغات وعدم وجود برامج ممنهجة ومحددة الهدف في سبيل خلق تواصل دائم مع المجتمعات الغربية هي اشكالات بسيطة يمكن تجاوزها من خلال قيام مراكز الابحاث والجمعيات العلمية ومنظمات المجتمع المدني ببناء علاقات وطيدة مع الآخرين”.

* تحقيق: فضل الشريفي ــ محمود المسعودي

المصدر: شفقنا العربي

شاهد أيضاً

الفلسطينيون يوجهون رسالة وفاء لأبطال نفق الحرية بسجن جلبوع

لا زال الكيان الصهيوني يعيش حالة من الاستنفار بعد نحو أسبوع على تمكن ستة مقاومين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *