عاشوراء.. تاب سحرة فرعون ولم يتب سحرة عصرنا

نعتقد عن علم، ونؤمن بالغيب كله قديمه وحاضره والقادم منه، بأن ما جاء في القرآن الكريم والكتب السماوية قبله من قصص، لم يكن من باب التسلية قطعا، ولا للإشارة الى حالة استثنائية لن تتكرر، ولن يعيشها أويعاينها من يقرؤها، بل نعتقد العكس تماما، فما من حالة سلوك بشري، فردية كانت أم جماعية تعرض لها القرآن، إلا للتنبيه لكونها ذات طبيعة بشرية قابلة للتكرار، واحتمال الاصطدام بها قائم مع أي جيل الى نهاية الدنيا.

عاشوراء، يوم ارتبط في ذاكرتي بأول تعريف لمناسبته في المدينة المنورة حين سئل عنها، يوم نجا الله فيه سيدنا موسى (عليه وعلى كافة الأنبياء الصلاة والسلام) ومن معه من فرعون وقومه؛ وحين أقرأ هذه الواقعة في القرآن، يشدني بين ثنايا تفاصيلها العجب المذهل؛ ما يعنيني في موضوع مقال اليوم تحديدا “سحرة فرعون”، من هم؟ هم صفوة السحرة الذين انتخبوا من كل أركان ملكه، و ما هي المهمة التي كلفوا بها؟ اعتبر فرعون “عصا” سيدنا موسى وهي واحدة من الآيات التي عزّز بها صدق رسالته، مجرد سحر يمكن كشفه وإبطاله بنظيره، ولا يقوم بهذه المهمة إلا كبار متمرسون في ذلكم الشأن.
ما شدني في هذا المشهد أمران اثنان: الأول وهومعنوي يتمثل في واحد من أقوى ملوك الأرض يعتمد على نخبة من البشر، مهمتها قلب صورة “الحبال والعصي” في أعين الناس لتبدوا لهم حيّات وثعابين عملاقة؛ الأمر الثاني ويعتمد عليه سابقه حسّي صرف، وهومادة المواجهة “الحبال والعصي”؛ الجزئية التي أذهلتني هنا هي “الحبال” جمع″ الحبل” ووفق تعريفه لغويا: ما فُتل من ليف ونحوه ليربط أويقاد به. إذن نحن أمام مهمة “قلب الصورة” أداتها حبل “يربط” العقل أو”يقوده”. ومن بين خصائص الحبل الالتواء والتعرج كذلك، هذه الإشارات لها قطعا دلالاتها.
نجحت “النخبة” بداية في “قلب الصورة” فعلا، الى حد تجاوزت فيه سحر أعين الناس وإرهابهم، الى درجة متقدمة للغاية، حين أوجس موسى ذاتُه في نفسه خيفة مما شاهده من انقلاب الصور، وهومن هو، وهوصاحب الحق اليقين، فبالنسبة له أن تُغيّر القدرةُ الإلهية من صفة العصا أمر بات طبيعيا بعد التجربة الأولى، لكن أن يبلغ البشر بمعرفتهم مثلما بلغ نخبة “السحرة” فذلك أمر يتعذر قبوله. ويتوجب علينا قبل خلاصة جزئية هذه الواقعة، الوقوف على حالة تفاعل “الناس″(الطرف المتلقي) معها، فالثابت أنهم شاهدوا بعيون رؤوسهم انقلاب صورة الحبال، وشهدوا على ما فعلت عصا موسى، وعلموا معاينة أوخبرا اعتراف السحرة وتوبتهم، إلا أن كل ذلك لم يصرفهم الى الحق، يمكننا تخيل خروجهم من مدرجات أعدت ليوم الزينة ومشاهدة خسارة السحرة، وقليل منهم من يتحدث همسا عن الحق، وأغلبهم كما ورد استخف فيما بعد، واتبع حكم القوي عسكريا وماليا، فقد تمكن فرعون من إقناعهم بأن ما جاء به موسى هوكذلك  قلب للصور من صنف السحر، ولا شيء غير ذلك. ولولم تنقاد العقول الى، أوتربط  بالتبعية العمياء، لفطنوا الى أن الأمر لدى موسى لوكان سحرا، لتعذر بل استحال منطقا أن يغلب سحر “النخبة”، العصا واحدة من العصي، والقوة التي غيرت العصي الى ثعابين (في اعين الناس)، هي ذاتها – بتقديرهم- التي غيرت عصا واحدة (عصا موسى)، إذن كيف لها أن تتغلب على الأولى !! بمعنى أوضح: العصا واحدة، والسحر الذي يغيرها الى حيّة واحد، كيف إذن تتم غلبة جزء من الكلّ على الكلّ؟ حتما القوة التي غيرت عصا موسى تختلف في طبيعتها، عن القوة التي غيرت عصي “نخبة” السحرة؛ لن تغلب النار النار، وإنما الماء يغلبها.
إذن لدينا: نخبة مرتزقة لدى القوي ماليا وعسكريا، ومادة “الحبال” التي تقود أوتربط، وصناعة تغير صورة الواقع الى واقع متوهم، وشهود يعاينون الوقائع بتفاصيلها.
من عجائب تقدير الله، أن يكون في عصرنا الحديث الأداة الرئيسية في توصيل المعلومة هي “الكابلات” اي “حبال” ذلكم العصر؛ ما من وسيلة ولا جهاز من آلة التصوير الى التسجيل، أوموقع اعلامي ايا كانت طبيعته (فضائيات- راديو- صحف – النت- الهواتف) إلا بها وعبرها يتم العمل؛ لا تمر الصورة والصوت إلا عبرها، هذا ما أعرفه لحد الساعة على الأقل.
ومن المفارقات أن يكون لصناعة الصورة (بكل أبعادها) علم قائم بذاته، له رجاله وأي رجال؟ إنهم من النخب المقربة جدا للحاكم القوي، وتفاوض وتساوم على صناعة الصورة، ولعلها تتلقى الأجرة الأعلى من بين جميع النخب الأخرى؛ لا لشيء إلا لقدرتها الفائقة والفاعلة على سحر أعين المواطنين وإرهابهم بلمح البصر.
يمكننا رصد حالات على سبيل المثال لا الحصر صادمة، كتصوير الولايات المتحدة لمصانع مدنية عراقية على أنها مخازن لأسلحة الدمار الشامل، وكيف وظّفت أغلب النخب الإعلامية (سحرة هذا العصر) فجعلت من تلكم الحبال في أعين العالم حيات مروعة؛ مازلت أذكر ذلك المشهد الكوميدي لكولن باول، وهويشير في مجلس الأمن بيده لصورة ويحمل في يده قارورة، على أنهما الدليل القطعي لأسلحة الدمار الشامل؛ شعوب تلكم القوى صدقت تلكم الاختلاقات؛ أكاد أجزم ألا أحد ساعتها يعرف موقع تلكم الصورة ولا محتوى القارورة؛ يمكننا أن نرى مثلا “الحبل” في ليبيا، ينقلب الى حيّة في اليمن بسرعة البرق، بالنظرة المجردة: مجموعة من الناس ثارت على نظام الحكم في ليبيا، ومجموعة من الناس ثارت ضد نظام الحكم في اليمن، الناس هم الناس، والثورة هي الثورة، لكن هناك حبل وهنا حيّة؛ وبالعين المجردة كذلك:  في اليمن حاكم ثار عليه جزء من شعبه، وفي سوريا حاكم ثار عليه جزء من شعبه، الأخير فورا أسقطت عنه الشرعية، وصُوّر للناس ضرورة دعم الجزء المنتفض بالمال والرجال والسلاح، أما الأول مع فراره خارج وطنه ثبّتت شرعيته، وصوّر للناس ضرورة دعمه بالمال والرجال والسلاح لاستئصال شأفة الجزء الذي ثار عليه. في سوريا الحاكم هو”الطائفي” وفي اليمن المجموعة الثائرة هي “الطائفية”. حصار الزبداني يصور جريمة ضد الانسانية، لكن حصار دولة اليمن وشعبها برا وبحرا وجوا عمل من صميم الانسانية وقمة الأخلاق. قصف مخيم اليرموك الذي أخلي من سكانه، جريمة همجية مدانة، لكن قصف قطاع غزة حيث يحاصر سكانه بداخله، ناتج عن استفزاز بضعة صواريخ المقاومة ويدخل تحت عنوان الدفاع عن النفس، والجريمة عالقة بعنق المقاومة (الارهابية).
وأختم مختصرا بالمثل الأكثر إثارة للدهشة: المقاومة الفلسطينية المسلحة تصوّر على أنها مجموعة عصابات إجرامية ترتكب أعمالا إرهابية، وبألطف العبارات ترتكب حماقات غير محسوبة العواقب، وكل الشعب الفلسطيني يمارس العنف ضد الشعب الإسرائيلي المتحضر والمتمدن؛ الطامة أن هذا التصوير لا يقتصر على وسائل إعلامية وأقلام غربية، وإنما حبل بعض بني جلدتنا على جرارها، آخرها مقال لكاتب كويتي، يدعوالفلسطينيين لوقف أعمالهم الارهابية ضد الاسرائيليين المسالمين؛ المصيبة أن الحاكم العربي (صاحب المال والعسكر) يعمل على إقناع الأمة بما يسميه “مبادرة السلام العربية”، ويصوّر لها إمكانية التعايش مع محتل الأرض الفلسطينية، قد يقول قائل: هذا يعني بعض الحكام العرب فقط. معذرة لا أكشف سرا حين أقول هناك مئات ولعلهم آلاف من رجال الأعمال العرب يتعاملون مع العدوكأن لا شيء بيننا، ومثلهم من الكتاب والمثقفين والاعلاميين، فضلا عن رجال السياسة. ويكفي واقع ما نراه ونلمسه من ترتيب “الكيان الاسرائيلي” في ذيل قائمة الأعداء، هذا إن سلمنا ببقائه في القائمة، وتأملوا في الاعلام العربي عموما، ودققوا مليا في الصورة المعروضة علينا: من يوصف بالعدوالأول والأخطر على الأمة العربية !!؟ بعض الشعوب العربية التي أبرم قادتها معاهدات مع اسرائيل، تعلم يقينا أن هذا الكيان عدو، وأن هذه الحية لا يمكن أن تسلم بصورة كونها مجرد حبل ناعم ملمسه، الامساك به نجاة من غضب العالم الغربي، لكن تلكم الشعوب تقول هذا همسا. المذهل أكثر كيفية تصوير الأنظمة العربية والاسلامية التي لم تبرم معاهدات مع كيان العدو، ولم تعترف بوجوده، على أنها مجرد متاجرة بالقضية الفلسطينية بل وعميلة للعدوذاته، حتى وإن دعمت بالمال والسلاح والسياسة المقاومة الفلسطينية، وفي المقابل يتم تصوير بعض الانظمة العربية التي ارتبطت بمعاهدات مع العدو، وأعلام كيانه ترفرف على بناياتها، وتتابدل معه الزيارات الرسمية، والصفقات التجارية والسياحة، بل والتهاني بعيد استقلاله، وتتهم المقاومة الفلسطينية بالارهاب، على أنها أنظمة تدافع عن فلسطين وشعبها ومقدساتها، والأعرف بمصالحها والمؤتمن عليها؛ هكذا يتم سحر أعين الناس.
وآخر الأمثلة عن الواقع المقلوب، ثلة من رجال فلسطينيين مواطنون درجة عاشرة لدى العدوالاسرائيلي، يشربون من مائه ويأكلون من زرعه، ويلبسون مما يخيط، ويسكنون تحت سقفه، ويستضيؤون بطاقته، ويتحركون ويتنقلون بإذنه ومستنداته؛ هذا الواقع يقلبه سحرة العصر الى صورة رئيس دولة ولا وجود لدولة،، ورئيس حكومة ووزراء، لهم مواكبهم المهيبة، وحرسهم الأمني الشخصي، وبروتوكولات ومكاتب ومناصب، وكل مظاهر “السلطة” من دون مثقال ذرة سلطة؛ وأغلب الناس لا يتعاملون مع “واقع الحبل” وإنما مع الواقع المتوهم الذي أبدع سحرة الاعلام والقوى في صناعته.
يحضرني في النهاية، تساؤل سيدني فينكلشتين في مقال نشر يوم التاسع من هذا الشهر،  جاء عنوانه: لماذا نثق في بعض الحقائق المختلقة؟ ولفتت انتباهي مقدمة المقال: لماذا يتصرف أناس تبدوعليهم سيماء الذكاء والمقدرة، وكأنهم يؤمنون بأن الوقائع المختلقة والوهمية، هي حقائق لا يرقى إليها شك؟؛ إجابة عن ذلك نقول: لكل عصر سحرته، وسحرة هذه المرحلة أغلب وسائل الإعلام باستثناء الشرفاء على قلتهم فهم موجودون، وحتى إن رموا بعصي الحق تلقف ما صنع الآخرون، فإن عامة الناس تستكين للقوي صاحب سطوة المال والمارينز؛ ونخبة سحرة عصرنا الفضائيات، التي بامكانها قلب المشاهد والصور؛ وإن كان سحرة فرعون قد تابوا فلا نرى في عاشوراء يومنا توبة سحرة عصرنا …….. والله المستعان.
فلاح جزائري
المصدر : رأی الیوم

شاهد أيضاً

الإمام المهدي خليفة الله في أرضه(عجّـل الله فرجه)

انّ النعوت التي وردت في وصف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) كثيرة. وأردت أن أستطرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *