مفهوم الإنتظار

التكامل فطرة جبل علیها الانسان والسعادة غایته التی یسعى الیها ،وهو دائب السعی وراء ما یحقق له الهدف ویوصله الى غایته القصوى. وأتم السعادة واكملها هی القرب من الله تعالى والوصول الیه – جلت قدرته – لانه الكمال المطلق . (وان الى ربك المنتهى) سورة البقرة ایة (42). الا ان الانسان عاجز عن الوصول بنفسه الى الكمال المنشود فهو دائم الحاجه طوال مسیرته الى من یاخذ بیده لیدله على غایته المطلوبة وهدفه الذی یسعى الیه .

اللهم صلی على صاحب الزمان وعلى خدامه واعوانه ،على غیبته ونأیه ،واستره سترا عزیزا واجعل له معقلا حریزا واشدد اللهم وطأتك على معاندیه ،واحرس موالیه وزائریه.”
الاهداء:
اهدی هذا العمل المتواضع الى الرسول الاكرم محمد (ص)والى
اهل بیته الاطهار علیهم السلام وبتوفیق من الله العلی العظیم.صلوات الله علیك یامولای یاصاحب الزمان ،ما طلعت كواكب الأسحار ،وأورقت الأشجار ،وأینعت الأثمار ،واختلف
اللیل والنهار ،وغردت الأطیار.اللهم انفعنا بحبه،واحشرنا فی زمرته،وتحت لوائه،اله الحق آمین رب العالمین.
مقدمة:
الحمد لله الذی اعطى كل شئ خلقه ثم هدى ،والصلاة والسلام على من اختارهم هداة لعباده لاسیما خاتم النبیین وسید الرسل ابو القاسم المصطفى محمد (ص واله) وعلى اله المیامین.
التكامل فطرة جبل علیها الانسان والسعادة غایته التی یسعى الیها ،وهو دائب السعی وراء ما یحقق له الهدف ویوصله الى غایته القصوى. وأتم السعادة واكملها هی القرب من الله تعالى والوصول الیه – جلت قدرته – لانه الكمال المطلق . (وان الى ربك المنتهى) سورة البقرة ایة (42). الا ان الانسان عاجز عن الوصول بنفسه الى الكمال المنشود فهو دائم الحاجه طوال مسیرته الى من یاخذ بیده لیدله على غایته المطلوبة وهدفه الذی یسعى الیه .
ومن هنا نشأت الحاجه الى الدین لانه السبیل الوحید فی وصول الناس الى غایتهم .فمن لطف الله سبحانه وتعالى انه ارسل هداة وادلاء على مرضاته (رسلا مبشرین ومنذرین لئلا یكون للناس على الله حجة بعد الرسل)سورة النساء ایة (165). واوضح القران الكریم بنصوصه الصریحه معالم الهدایه الربانیه وافاقها ومستلزماتها وطرقها ،كما بین لنا عللها واسبابها من جهة واسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة اخرى.
وقد حمل الانبیاء واوصیاءهم مشاعل الهدایه الربانیه ولم یترك الله عباده مهملین دون حجة هادیة وعلم مرشد ونور مضئ .بان الارض لا تخلو من حجة الله على خلقه لئلا یكون للناس على الله حجة فالحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق . ولو لم یبق فی الارض الا اثنان ،لكان احدهما الحجة.
وكان التخطیط الالهی یحتم على الرسول (ص واله) اعداد الصفوة من اهل بیته ،والتصریح بأسمائهم وادوارهم لتولی مهمة ادائه الحركة النبویة العظیمه والهدایة الربانیة الخالصة بأمر من الله سبحانه وصیانة للرساله الالهیة التی كتب الله لها الخلود من تحریف الجاهلین ،وتربیة الاجیال على قیم ومفاهیم الشریعة المباركة التی تولوا تبیین معالمها وكشف اسرارها وذخائرها على مر العصور .وحتى یرث الارض ومن علیها .
وتجلى هذا التخطیط الربانی فی ما نص علیه الرسول (ص واله) بقوله (انی تارك فیكم الثقلین ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا :كتاب الله وعترتی ،وانهما لن یفترقا حتى یردا علی الحوض).
ان سیرة الائمة الاثنى عشر (ع) تمثل المسیرة الواقعیة للاسلام بعد عصر الرسول (ص واله) وتبلورت فی استمرارهم على نهج الرسول العظیم (ص واله)فكانوا هم الادلاء على الله لنیل مرضاته ،والمستقرین فی امر الله والتامین فی محبته والذائبین فی الشوق الیه ،والسابقین الى تسلق قمم الكمال الانسانی المنشود.
ان قضیة الامام المهدی المنتظر الذی بشر به الاسلام وبشرت به الادیان من قبل ،قضیه انسانیة قبل ان تكون قضیة دینیة او اسلامیة .
فانها تعبر عن ضرورة تحقق الطموح الانسانی بشكله التام.
ومن هنا تاتی هذه الدراسة عن الامام المهدی الغیب الشاهد فی نزع لبوس الجهل ولتعریف العالم بمنقذه لا لیستیقن اللذین امنوا ایمانا فحسب بل لتبقى شعلة الایمان متلألئة فی ایدی المؤمنین ، المجاهدین الصابرین اللذین ینتظرون المهدی الغائب كقائد شاهد ویستعدون للقائه بالایمان والصبر وتهیئة الظروف لقدومه لیقودهم نحو النصر الاعظم .
حیث تتخلص الارض من كل صنوف الفساد وتتطهر البلدان من الطغاة المستبدین فیسود العدل والاحسان ربوع الدنیا من الارض عباد الله الصالحون.
ومن هنا جاء معنى الانتظار لترسیخ تعلق الانسان وارتباطه بربه الكریم وایمانه العملی بان الله عز وجل غالب على امره وبانه القادر على كل شئ والمدیر لأمر خلائقه بحكمته الرحیمة بهم .
وهذه من الثمار المهمة التی یكمن فیها صلاح الانسان وطیه لمعارج الكمال وهو الهدف من معظم احكام الشریعة وجمیع عباداتها وهو ایضا شرط قبولها فلا قیمة لها اذا لم تستند الى هذا الایمان التوحیدی الخالص الذی یرسخه الانتظار…..

بسم الله الرحمن الرحیم
من المواضیع المهمة التی اوقفتنا عند تصفحنا لمحاور المؤتمر الذی یقام برعایة المرجعیة العلیا هو الانتظار الذی طالما اردنا ان نعرف حقیقته واهمیته وشروطه حیث اكدت الاحادیث الشریفة وباهتمام بالغ على عظمة آثار انتظار الفرج الذی ینطبق على الظهور المهدوی كاحد مصادیقه البارزة وكذلك انتظار ظهور الامام بالخصوص فنحن نترقب حضور الامام وننتظر قدومه وفی واقع الامر علینا اولا ان نعرف قدر الشخص الذی ننتظره ونترقب قدومه وندرك مقامه فأن انتظاره یختلف عمّا لو كان لانعرف عنه شیئا.
ومن هنا كان من الضروری على المنتظرین لبقیة الله الاعظم (ارواحنا وارواح العالمین لتراب مقدمه الفداء) ان نعرف:
1.حقیقة الانتظار 2 .شروط الانتظار 3.لماذا الانتظار 4.اهمیة الانتظار
1.حقیقة الانتظار :
الانتظار عبارة عن: «كیفیة نفسانیة ینبعث منها التهیؤ لما تنتظره; وضده الیأس; فكلما كان الانتظار أشد كان التهیؤ آكد; ألا ترى أنّه اذا كان لك مسافر تتوقع قدومه ازداد تهیؤك لقدومه كلما قرب حینه، بل ربما تبدل رقادك بالسهاد لشدة الانتظار. وكما تتفاوت مراتب الانتظار من هذه الجهة، كذلك تتفاوت مراتبه من حیث حبك لمن تنتظره، فكلما اشتد الحب ازداد التهیؤ للحبیب وأوجع فراقه بحیث یغفل المنتظر عن جمیع ما یتعلق بحفظ نفسه ولا یشعر بما یصیبه من الالآم الموجعة والشدائد المفظعة. فالمؤمن المنتظر مولاه كلما اشتد انتظاره ازداد جهده فی التهیؤ لذلك بالورع والاجتهاد وتهذیب نفسه وتجنّب الأخلاق الرذیلة والتحلّی بالأخلاق الحمیدة حتى یفوز بزیارة مولاه ومشاهدة جماله فی زمان غیبته كما اتفق ذلك لجمع كثیر من الصالحین، ولذلك أمر الأئمة الطاهرون(علیهم السلام) فیما سمعت من الروایات وغیرها بتهذیب الصفات وملازمة الطاعات. بل روایة أبی بصیر مشعرة أو دالة على توقف الفوز بذلك الأجر حیث قال (الإمام الصادق)(علیه السلام): ))مَن سره أن یكون من أصحاب القائم فلینتظر ولیعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل مَن أدركه… ولا ریب أنه كلما اشتد الانتظار ازداد صاحبه مقاماً وثواباً عند الله عز وجل.
والانتظار یعنی: «ترقب ظهور وقیام الدولة القاهرة والسلطنة الظاهرة لمهدی آل محمد(علیهم السلام). وامتلائها قسطاً وعدلاً وانتصار الدین القویم على جمیع الأدیان كما أخبر به الله تعالى نبیه الأكرم ووعده بذلك، بل بشّر به جمیع الأنبیاء والأمم; أنه یأتی مثل هذا الیوم الذی لا یعبد فیه غیر الله تعالى ولا یبقى من الدین شیء مخفی وراء ستر وحجاب مخافة أحد…»اذن الانتظار یتضمن حالة قلبیة توجدها الأصول العقائدیة الثابتة بشأن حتمیة ظهور المهدی الموعود وتحقق أهداف الأنبیاء ورسالاتهم وآمال البشریة وطموحاتها على یدیه(علیه السلام); وهذه الحالة القلبیة تؤدی الى انبعاث حركة عملیة تتمحور حول التهیؤ والاستعداد للظهور المنتظر، ولذلك أكدت الأحادیث الشریفة على لزوم ترسیخ المعرفة الصحیحة المستندة للادلة العقائدیة بالإمام المهدی وغیبته وحتمیة ظهوره .
وعلیه یتضح أن الانتظار لا یكون صادقاً إلاّ اذا توفرت فیه: «عناصر ثلاثة مقترنة: عقائدیة ونفسیة وسلوكیة ولولاها لا یبقى للانتظار أی معنى إیمانی صحیح سوى التعسف المبنی على المنطق القائل: (فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون…)المنتج لتمنی الخیر للبشریة من دون أی عمل إیجابی فی سبیل ذلك (المائدة (5).
ولذلك نلاحظ فی الأحادیث الشریفة المتحدثة عن قضیة الانتظار تأكیدها على معرفة الإمام المهدی ودوره وترسیخ الارتباط المستمر به(علیه السلام) فی غیبته كمظهر للانتظار والالتزام العملی بموالاته والتمسك بالشریعة الكاملة كما اشرنا لذلك فی التكالیف السابقة وإعداد المؤمن نفسه كنصیر للإمام المهدی ـ عجل الله فرجه ـ یتحلى بجمیع الصفات الجهادیة والعقائدیة والأخلاقیة اللازمة للمساهمة فی إنجاز مهمته الإصلاحیة الكبرى، وإلاّ لن یكون انتظاراً حقیقیاً وعلى مستوى ذواتنا أیضاً، وكأسلوب من أسالیب تحصینها ضد الانحراف، وتجهیزها للعمل والنشاط, علینا أن نكون فی حالة انتظار. فی حالة ترقّب دائم مستمر لبزوغ فجر الثورة الكبرى، ثورة القائد المنتظر. یجب أن نعیش حالة توقّع غیر یائس، ولا جازع. عیوننا متطلّعة للحدث الأكبر. أسماعنا متلهفة لاستماع خبر النهضة العظمى. أفئدتنا مفعمة بالشوق والشغف لساعة الوعد الإلهی. أن نكون على أهبة الاستعداد. ننتظر المفاجأة ونستشرف لمواجهتها. لا یغیب عن بالنا قضیة الإمام المنتظر. ولا ننسى الوعد الإلهی بالنصر الظافر.
هكذا أراد لنا الأئمّة أنفسهم، وسجّلوه كموقف یجب أن نتخذه, وكحالة نفسیة یجب أن نستشعرها ونعیشها باستمرار. استمع معی للإمام علی علیه السلام وهو یقول: ” انتظروا الفرج، ولا تیأسوا من روح الله، فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله انتظار الفرج.
واستمع لحدیث آخر عن أبی الجارود من أصحاب الإمام الباقر علیه السلام: “قلت لأبی جعفر علیه السلام: یا ابن رسول الله هل تعرف مودّتی لكم وانقطاعی إلیكم، وموالاتی إیّاكم؟. فقال: نعم.. والله لأعطینّك دینی ودین آبائی الذی ندین الله عز وجل به: ” شهادة لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله.. وانتظار قائمنا والاجتهاد والورع”
شروط الانتظار:
1 ـ ترسیخ معرفة الإمام المهدی ـ عجل الله فرجه ـ والإیمان بإمامته والقیام بمهامها فی غیبته ومعرفة طبیعة دوره التأریخی وأبعاده والواجبات التی یتضمنها ودور المؤمنین تجاهه، وترسیخ الارتباط به(علیه السلام) وبدوره التأریخی. وكذلك الإیمان بأن ظهوره محتمل فی أی وقت، الأمر الذی یوجب أن یكون المؤمن مستعداً له فی كل وقت. بما یؤهله للمشاركة فی ثورته.
ولتحقق هذا الاستعداد اللازم لكی یكون الانتظار صادقاً یجب التحلی بالصفات الأخرى التی یذكرها الإمام السجاد(علیه السلام) والتی تمثل فی واقعها الشروط الأخرى لتحقق مفهوم الانتظار على الصعید العملی، كما نلاحظ فی الفقرات اللاحقة.
2 ـ ترسیخ الاخلاص فی القیام بمختلف مقتضیات الانتظار وتنقیته من جمیع الشوائب والأغراض المادیة والنفسیة، وجعله خالصاً لله تبارك وتعالى وبنیّة التعبد له والسعی لرضاه، وبذلك یكون الانتظار «أفضل العبادة»، وقد صرّح آیة الله السید محمد تقی الإصفهانی بأنّ توفر هذه النیّة الخالصة شرط فی القیام بواجب الانتظار. وعلى أی حال فإنّ توفر هذا الشرط یرتبط بصورة مباشرة بالإعداد النفسی لنصرة الإمام عند ظهوره; لأنّ فقدانه یسلب المنتظر الأهلیة اللازمة لتحمل صعاب نصرة الإمام ـ عجل الله فرجه ـ فی مهمته الإصلاحیة الجهادیة الكبرى.
3 . تربیة النفس وإعدادها بصورة كاملة لنصرة الإمام من خلال صدق التمسك بالثقلین والتخلق بأخلاقهما لیكون المؤمن بذلك من أتباع الإمام المهدی(علیه السلام) حقاً: «وشیعتنا صدقاً» وتتوفر فیه شروط الشخصیة الإلهیة والجهادیة القادرة على نصرة الإمام فی طریق تحقیق أهدافه الإلهیة، وفی ذلك تمهید لظهوره(علیه السلام) على الصعید الشخصی.
4 . التحرك للتمهید للظهور المهدوی على الصعید الاجتماعی بدعوة الناس الى دین الله الحق وتربیة أنصار الإمام والتبشیر بثورته الكبرى، ونلاحظ فی حدیث الامام السجاد(علیه السلام) وصفه للمنتظرین بأنهم «الدعاة الى دین الله عز وجل سرّاً وجهراً»، وفی ذلك إشارة بلیغة الى ضرورة استمرار تحرك المنتظرین فی التمهید للظهور ورغم كل الصعاب، فإذا كانت الأوضاع موائمة دعوا لدین الله جهراً وإلاّ كان تحركهم سریاً دون أن یسوّغوا لانفسهم التقاعس عن هذا الواجب التمهیدی تذرّعاً بصعوبة الظروف.
لماذا الانتظار:
الانتظار من التنظّر، وهو توقّع الشیء. والانتظار المأمور به فی المقام هو توقّع دولة الحقّ على یَدی الموعود والمؤمّل من لدن آدم وإلى زماننا هذا. والمستفاد من الروایات أنّ دولة الحقّ موعودة وعد بها الله سبحانه عبادَه الصالحین، وأنّه یأتی یوم یحكم فیه الحقّ تحت رایة السلطان العادل البسیطة كلّها؛ قال الله سبحانه (وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِی الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ یَرِثُها عِبادِیَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِی هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِینَ). والذی ینبغی أن یُلتفت إلیه فی هذا الشأن ـ ضمن العجالة ـ أمور، منها:
الأمر الأوّل: أنّ الانتظار واجب بحكم العقل والشرع؛ أمّا العقل فلما نعلم من طبیعة البشر أنّه لا یندفع إلى البغیة یدفعه إلى العمل، فالتوقّع والانتظار لدولة الحقّ علـى ید الإمام المنتظر مقدّمة أساسیّة ومنطلق فكری وعملی نحو بذل الطاقة والجهد فی سبیل الوصول إلى تلك البغیة. وأمّا الشرع فقد ورد الأمر بالانتظار فی كثیر من الروایات فبلغ حدّ التواتر، بل فی بعضها أنّ الانتظار مـن أفضل الأعمال فی عصر غاب عنه الحق عن البسیطة وأصبحت الأرض بید الطغاة یلعبون بالصالحیـــن وبمقدّراتهم، بل بمقدّرات الشعوب كلّها حسب ما تشتهی نفوسهم وتدفع إلیه أهواؤهم؛ فعن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم ضمن حدیث: (انتظار الفرج عبادة). وعن أمیر المؤمنین سلام الله علیه ـ وقد سأله رجل عن أحبّ الأعمال إلى الله سبحانه ـ: قال: (انتظار الفرج)؛ وعن علی بن الحسین علیهما السلام: إنّ أهل زمان غیبته (الإمام المنتظر) القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كلّ زمان، لأنّ الله تعالى ذِكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغیبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم فی ذلك الزمان بمنزلة المجاهدین بین یَدی رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم بالسیف، أولئك المخلصون حقّاً، وشیعتنا صدقاً، والدعاة إلى دین الله سرّاً وجهراً. وقال علیه السلام: انتظار الفرج من أعظم الفرج؛ وفی روایة عن الإمام سلام الله علیه: وانتظروا أمــرنا؛ وعنه علیه الســلام عن جدّه رسول الله أنّه قــال: (اللهم لقِّنی إخوانی) مرّتین، فقال .
من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك یا رسول الله؟ فقال: لا، إنّكم أصحابی، وإخوانی قوم فی آخر الزمان آمنوا بی ولم یرونی، لقد عرّفنیهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم. وعنه علیه السلام عن جدّه رسول الله: أفضل العبادة انتظار الفرج»، وعن الإمام الصادق سلام الله علیه أنّه قال (من مات على هذا الأمر منتظراً له هو بمنزلة من كان مع الإمام القائم فی فسطاطه، ثمّ سكت هنیئة، ثم قال: هو كمن كان مع رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم) وعن الإمام موسى الكاظم سلام الله علیه عن آبائه، عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم: (أفضل أعمال أمتی انتظار الفرج من الله عزّوجل)؛ وعن الإمام الرضا سلام الله علیه وقد سُئل عن شیء من الفرج فقال: (ألیس انتظار الفرج من الفرج)، فقد روی فی أكثر من سبعین روایة تدلّ على وجوب الانتظار.
الأمر الثانی: أنّ الانتظار لشیء مهمّ كما یدفع الإنسان للتهیّؤ والإعداد والاستعداد لما یتوقّعه وینتظره، كذلك یقضّ مضجع العدوّ المعادی للحقّ، وقد سطر فی التاریخ كیف كان الطغاة یخافون وجود الإمام المنتظر وولادته على غرار خوف فرعون من ولادة موسى، حتّى ذبح ما لا یُعلم عدده من الاطفال لیحول دون ولادة موسى، ولكنّ الله بالغ أمره. وقد سعى بنو العبّاس، ومن قبلهم بنو أمیّة لقطع نسل الرسول صلى الله علیه وآله وسلم وذرّیّة علی طمعاً فی الدنیا وحذراً من مجیء دولة الحقّ، وكانت أیّام الغیبة الصغرى وما تلتها من الأیام موحشةً ومربكة لبنی العبّاس، فكانوا یبحثون عن الإمام المنتظر وعن وكلائه وعمّن یدلّ علیه بحث الخِرْزة، فكانوا یقتلون كلّ من یسمعون منه كلمة تدلّ على إیمانه بالغائب، فبقاء العدو فی قلق واضطراب وفقد الطمأنینة وتخبّطه عشواءً من الفوائد المهمّة المترتّبة على الانتظار.
الأمر الثالث: لا شكّ فی أنّ إقامة دولة الحقّ على أنقاض نظم الفساد والجور وإقامة صرح العدل على أنقاض قصور الجور والطغیان یتوقّف على الإعداد النفسی، فلو حصلت تلك الدولة بدون الاعداد النفسیّ الكامل وإصلاح العقول التی شُوّشت وانحرفت عن نهج التفكیر السلیم وأصبحت ترى فی كثیر من الاحیان الباطل حقّاً، والحقّ باطلاً، وكذلك الاجسام التی تعوّدت على حبّ الدنیا، والعیون التی تأثّرت وتغوّشت بمباهج الحیاة الدنیة الخلاّبة، یكون مصیر تلك الدولة مصیر سلطة علیّ بن أبی طالب والإمام الحسن علیهما السلام، فإنّ الأسباب الطبیعیة لم تكم مؤاتبة، والنــــفوس لم تكن مستعدّة لدولة الحقّ، والظُّلمة التی سیطرت علیهم بعد وفاة رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم وانمحت جلّ القلوب الطیبة فی تلك المدّة التی جاوزت ثلاثة وعشرین سنة، والظروف التی نعیشها تشبه تلك، فلا بدّ من إصلاح الأنفس بزرع حبّ الدین وحبّ العدل والانصاف وكره الظلم والفساد إعداداً للنفوس لتقبّل الحقّ.
الأمر الرابع: یجب اعداد الظروف الخارجیّة بنشر الحقّ وإعداد الأنصار للدین، ونشر الوعی بین المسلمین أوّلاً، وبین غیرهم جلباً للنفوس الصالحة للهدایة ثانیاً، فإنّ الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر من أهمّ الواجبات الشرعیة والعقلیة والاجتماعیة، فما لم یكن هناك انصار بعدد واف لنصرة الحقّ، وما لم یكن هناك وعی كافٍ لاحتواء الحقّ، وما لم یكن هناك ما ینبغی تهیئتُه لاستقبال دولة الحقّ، لم یكن وجه لبدء إقامة تلك الدولة، والاستعجال فی مثل هذا الأمر بالتأكید یأتی بنتائج وخیمة ویفوت من ذلك أعظم المقاصد.
الأمر الخامس: یجب إتمام الحجّة على كلّ مُناوئ للحقّ ومعاند له، لأنّ دولة الحقّ سوف تحاسبهم، فلا ینفع الانصیاع للحقّ حین إقامة العدل ووقت المحاسبة وإنزال العقوبة على كلّ ظالم غاشم وغاصب ومفسد، وإلى هذا المعنى أُشیر فی عدّة آیات قرآنیة؛ ففی سورة الأنعام: (هَلْ یَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِیَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ یَأْتِیَ رَبُّكَ أَوْ یَأْتِیَ بَعْضُ آیاتِ رَبِّكَ یَوْمَ یَأْتِی بَعْضُ آیاتِ رَبِّكَ لا یَنْفَعُ نَفْساً إِیمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِی إِیمانِها خَیْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ … ) آیة 185)
إنّ الانتظار یعنی فی جملته حالة الأمل، وعدم القنوط. الأمل الذی هو شرط لكل حركة، نحن مدعوّون إلى تمثله دائماً. والیأس الذی هو مدعاة للانحراف، المطلوب منّا رفضه واقتلاع جذوره من أعماق وجداننا. الانتظار یعنی أنّنا ما زلنا على أمل بالنصر. لا مجرّد أمل، وإنما ثقة مطلقة بتحقق هذا النصر. فالذین یأملون فی شیء قد لا یملكون قناعة بأنّهم سینالوه، وهم ینتظرون لكن على وجل وفی ریبة.
كل الناس یأملون بانتصار الحق، ومحق الباطل، مسلمین وغیر مسلمین، لكن من یملك الیقین الذی نملكه؟ والذی كان یملكه الأنبیاء والأوصیاء، ویغرسونه فی نفوس أشیاعهم. إنّنا لا نأمل بالنصر، وإنّما نرى أنفسنا ونحن نقترب منه. لا یمضی یوم إلاّ وتكون المسافة قد تقلّصت، وأصبحنا على المشارف. هذا هو معنى الانتظار المطلوب. أن لا یخامرنا شك، أدنى شك فی أنّنا سننتصر. أن نرى بعین البصیرة رایات الحق تتقدّم، وها نحن ننتظرها كیما تصل إلینا أو نصل إلیها. والذین یصابون بالیأس یفقدون السلاح وهم وسط المعركة.
فما أیسر أن یقعوا فی أسر الضلال والانحراف، وتلك هی الفتنة, وقد قال الإمام علیه السلام: ” إنّ هذا الأمر لا یأتیكم إلاّ بعد یأس”(ومن هنا تأتی قیمة الانتظار. على أنّ الانتظار له مدلول آخر، ومعنىً عمیق غایة العمق. هذا المدلول هو الذی یفسّر لنا لماذا كان الانتظار مطلوباً، وواحداً من مسؤولیاتنا مع ذواتنا؟
فالانتظار تعبیر عن قناعتنا بجدارة الحل الإسلامی. واستعدادنا لتقبّله، والمشی فی ركبه. من یعیش حالة الانتظار لنهضة القائد المنتظر، لا یستطیع إلاّ الثقة بحیویة الإسلام، وقابلیته الأزلیة على حلّ مشاكل البشریة، وسكب السعادة فی قلوبها الحرّى. أنت حینما تنتظر من رجل القانون أن یرسم لك حلّ المشكلة، أو یختار لك الصیغة المفضّلة، فإنّك لا محالة واثق بقدرته، وجدارته ولو لا ذاك فإنّك لم تكن مستعداً للتفاهم معه فی حل المشكلة.
وأنت حین تزور طبیباً تطلب الدواء، لا تفعل ذلك عبثاً، وإلاّ كان من الأیسر لك أن تذهب إلى جیرانك وتعرض له مرضك، وإنّما أنت على قناعة كافیة بأنّ الطبیب هو الجدیر والمؤهّل لإعطاء العلاج، وتشخیص الداء، ولذا فأنت تؤثر زیارته، وتنتظر منه. فالانتظار إذن هو القناعة بالجدارة والأهلیة. ونحن حینما ننتظر الحل الإسلامی الذی یسود العالم كله تحت رایة القائد المنتظر، لا بد أن نكون على أعمق الثقة بهذا الحل. فالتقدّم الحضاری، والتطوّر الذی شهدته الأرض.
والتقلب الذی عمّ كل شیء، فی التركیب الاجتماعی، والوضع الاقتصادی، وطبیعة الحالة النفسیة العامة. إنّ كل ذلك لا یغیر من واقعیة الإسلام، وقدرته على النجاح، سواء على مستوى النظریة، أو على مستوى التطبیق. فسیبقى الإسلام هو الحلّ الحتمی أزلاً وأبداً. ومهما انحرفت البشریة عنه، فإنّها ستؤوب إلیه، وستجده حینذاك مصدر كل السعادة، ومقتلع جذور الشقاء فی الأرض. ما هی طبیعة الانتظار؟ إذا كان علینا أن ننتظر, فما هی طبیعة الانتظار المطلوب؟
هناك نوعان من الانتظار: الانتظار الجامد، والانتظار المتحرّك. انتظار أشبه بالموت، أو هو الموت. وانتظار أشبه بالحیاة، أو هو الحیاة. الأسیر المقیّد بالأغلال، والمدفوع نحو المقصلة، ینتظر. والبطل الذی یخوض غمار الحرب، وهو شاكی السلاح، شدید العزم، ینتظر أیضاً. كل من هذین ینتظر الموت والقتل.. لكن هناك فرق كبیر بین نوعی الانتظار. فالأوّل مستسلم، لا یستطیع حراكاً، ولا یفكّر حتى فی الفرار. والثانی متحرّك، مقدام، ینتظر الشهادة بكل بطولة, بل هو یسعى إلیها، ویرحّب بها. فكیف علینا أن ننتظر القائد المنتظر؟ الإجابة على هذا السؤال نأخذها من القرآن، ومن محمّد صلى الله علیه وآله، ومن أهل البیت علیهم السلام. من هذه المدرسة الواحدة نأخذ الإجابة الصحیحة.
لقد كان محمّد صلى الله علیه وآله ینتظر. كیف كان ینتظر؟ كان القرآن یأمره بالانتظار، أیّ انتظار ؟ (وَقُلْ للّذینَ لا یُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا على مَكانَتِكُم إنّا عامِلُونَ، وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ(. لقد انتظر النصر والفتح، لكن هو الذی كان یمهّد للنصر وللفتح لا غیره. لم یكن یطلب أن یأتیه النصر منحة خالصة من السماء ومن دون ثمن.
لقد هاجر، ولقد قاتل، ولقد دعا، ولقد عمل كل شیء فی سبیل النصر، ثم كان ینتظر النصر.
الانتظار فی القرآن، وعند محمّد صلى الله علیه وآله ردیف العمل (اعمَلُوا على مَكانَتِكُمْ، إنّا عامِلُونَ). (وَانْتَظُرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ). فهناك عمل ثم انتظار. الانتظار فی مفهوم القرآن لا یعنی الجمود والتوقّع البارد الزائف المیت. إنما یعنی التربّص، المداورة مع العدو، التحرّك فی شتّى الطرق، استغلال لحظات الضعف، عدم تضییع الفرص، هذا هو التربّص وهو الانتظار القرآنی. (قُلْ كُلٌ مُتَرَبّصٌ، فَتَرَبّصُوُا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أصْحابُ الصّراطِ السَّوی، وَمَنِ اهتَدى) .
ولقد انتظر أصحاب محمّد صلى الله علیه وآله. كیف انتظروا؟ (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ یَنْتَظِرُ( كنه لا ینتظر أن یأتیه الموت، وهو فی قعر داره. وإنّما یتقدّم لیكسب الموت، أو یكسب الفتح، فما هو إلاّ إحدى الحسنیین. لقد كان أئمّتنا ینتظرون الفرج، ویوصون أصحابهم بالانتظار. وكما ننتظر الیوم قائم آل محمّد، لقد كانوا مثلنا ینتظرون. لكن هل تركوا العمل والتضحیة، والنشاط الدائب من أجل الحق.
هل وقفوا أسارى الصدف؟ إنّ انتظارهم لم یكن یعنی إلاّ الاستعداد الدائم والعمل المتواصل، فی السرّ أو فی العلن، والتمهید للنتیجة المطلوبة. هذا هو الانتظار فی مفهوم مدرسة أهل البیت علیهم السلام. بث الدعوة، وتوجیه الناس. تحصین قواعد الشیعة، وتوسیع دائرتها. ألم یبارك الأئمّة ثورات العلویین. ثورة زید، والنفس الزكیة، وحركات الحسنیین المتصلة. لقد مدّوا لها جمیعاً ید العون فی السر، بینما كانوا یحافظون على الخطوط الخلفیة، ویحصنون قواعد الشیعة فی ذات الوقت. ألم تكن أموالاً طائلة تصب فی دورهم لیلاً، وتجمع لهم سرّاً؟ أین كانت تصرف؟ وما معنى هذا العمل؟ لو عرف الأئمّة من الانتظار معنى الجمود فلماذا طاردهم العدو، واضطهدهم ورماهم فی غیاهب السجون؟!
فالانتظار عمل ولیس سكوناً. ومن هنا كان ” أحب الأعمال إلى الله انتظار الفرج ” كما عبّر الإمام فإذا كنا مدعوّین إلى الانتظار، فإنما نحن مدعوون إلى العمل إلى الانتظار المتحرّك الحی، لا إلى الانتظار الجامد المیت. فی الحدیث عن علی بن الحسین علیه السلام: یا أبا خالد: إنّ أهل زمان غیبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان… أولئك المخلصون حقاً، وشیعتنا صدقاً والدعاة إلى دین الله سرّاً وجهراً” . إنّ مثلنا فی عصر الغیبة مثل الطلیعة التی تنتظر كتائب الجیش. بعد أن تكون قد مسحت لها الأرض، وكشفت لها الساحة.
اهمیة الانتظار:
تؤكد الأحادیث الشریفة وباهتمام بالغ على عظمة آثار انتظار الفرج; ; . فبعضها تصفه بأنه أفضل عبادة المؤمن كما هو المروی عن الإمام علی(علیه السلام): «أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله( ، وعبادة المؤمن أفضل بلا شك من عبادة مطلق المسلم، فیكون الانتظار أفضل العبادات الفضلى إذا كان القیام به بنیة التعبد لله ولیس رغبة فی شیء من الدنیا; ویكون بذلك من أفضل وسائل التقرب الى الله تبارك وتعالى كما یشیر الى ذلك الإمام الصادق(علیه السلام) فی خصوص انتظار الفرج المهدوی حیث یقول: «طوبى لشیعة قائمنا، المنتظرین لظهوره فی غیبته والمطیعین له فی ظهوره، أولئك أولیاء الله الذین لا خوف علیهم ولا هم یحزنون) . ولذلك فإن انتظار الفرج هو (أعظم الفرج) كما یقول الإمام السجاد(علیه السلام)، فهو یدخل المنتظر فی زمرةِ أولیاء الله.
وتعتبر الأحادیث الشریفة أنّ صدق انتظار المؤمن لظهور إمام زمانه الغائب یعزز إخلاصه ونقاء إیمانه من الشك، یقول الإمام الجواد(علیه السلام): (…له غیبة یكثر أیامها ویطول أمدها فینتظر خروجه المخلصون وینكره المرتابون..) وحیث إن الانتظار یعزز الإیمان والإخلاص لله عز وجل والثقة بحكمته ورعایته لعباده، فهو علامة حسن الظن بالله، لذا فلاغرابة أن تصفه الأحادیث الشریفة بأنه: «أحب الأعمال الى الله)، وبالتالی فهو )أفضل أعمال أمتی( كما یقول رسول الله(صلى الله علیه وآله)
الانتظار یرسخ تعلق الإنسان وارتباطه بربه الكریم وإیمانه العملی بأن الله عز وجل غالب على أمره وبأنه القادر على كل شیء والمدبر لأمر خلائقه بحكمته الرحیم بهم، وهذا من الثمار المهمة التی یكمن فیها صلاح الإنسان وطیّه لمعارج الكمال، وهو الهدف من معظم أحكام الشریعة وجمیع عباداتها وهو أیضاً شرط قبولها فلا قیمة لها إذا لم تستند الى هذا الایمان التوحیدی الخالص الذی یرسخه الانتظار، وهذا أثر مهم من آثاره الذی تذكره الأحادیث الشریفة نظیر قول الإمام الصادق(علیه السلام): ألا أخبركم بما لا یقبل الله عز وجل من العبادة عملاً إلاّ به… شهادة أن لا اله إلاّ الله وأن محمداً عبدُه ورسوله والاقرار بما أمر الله والولایة لنا والبراءة من أعدائنا ـ یعنی الأئمة خاصة ـ والتسلیم لهم، والورع والاجتهاد والطمأنینة والانتظار للقائم(علیه السلام)
وتصریح الأحادیث الشریفة بأن التحلی بالانتظار الحقیقی یؤهل المنتظر ـ وبالآثار المترتبة علیه المشار الیها آنفاً ـ للفوز بمقام صحبة الإمام المهدی كما یشیر الى ذلك الإمام الصادق فی تتمة الحدیث المتقدم حیث یقول: مَن سره أن یكون من أصحاب القائم فلینتظر ، وكذلك یجعله یفوز بأجر هذه الصحبة الجهادیة وهذا ما یصرح به الصادق(علیه السلام) حیث یقول: مَن مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان فی فسطاط القائم(علیه السلام )، ویفوز أیضاً بأجر الشهید كما یقول الإمام علی(علیه السلام): «الآخذ بأمرنا معنا غداً فی حظیرة القدس والمنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه فی سبیل الله» ، بل ویفوز بأعلى مراتب الشهداء المجاهدین، یقول الصادق(علیه السلام): «مَن مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن كان مع القائم فی فسطاطه; قال الراوی: ثم مكث هنیئة، ثم قال: لا بل كمن قارع معه بسیفه، ثم قال: لا والله إلاّ كمن استشهد مع رسول الله(صلى الله علیه وآله ).
والأحادیث المتحدثة عن آثار الانتظار كثیرة ویُفهم منها أن تباین هذه الآثار فی مراتبها یكشف عن تباین عمل المؤمنین بمقتضیات الانتظار الحقیقی، فكلما سمت مرتبة الانتظار تزایدت آثارها المباركة وبالطبع فإن الأمر یرتبط بتجسید حقیقة ومقتضیات الانتظاروان للأنتظار خصوصیات یمكن ان نوضحها فی الفقرات اللاحقة.
منهجیة البناء الحضاری لجماعة الانتظار
إذا كانت الحضارة هی مجموع ثقافات الأفراد للمجتمع الواحد ومن ثم هی حصیلة ثقافات ذلك المجتمع، وإذا كانت الثقافة بمعناها الأعم هی السلوك “الراقی” الذی یتحقق بطاعته لله تعالى وذلك من خلال انتهاج التعالیم الشرعیة المأمور بها الفرد، وهذه بمجموعها تسمى التقوى التی من خلالها تتحقق سمة الالتزام الشرعی لذلك الفرد، ومعلوم أن هذه التقوى التی حث علیها الأئمة الأطهار علیهم السلام إحدى أهم آلیات الانتظار.
ففی الكافی بسنده عن أبی الجارود قال : قلت لأبی جعفر یا بن رسول الله هل تعرف مودتی لكم وانقطاعی إلیكم وموالاتی أیاكم؟ قال فقال: نعم، قال: فقلت: فأنی أسألك مسألة تجیبنی فیها فإنی مكفوف البصر قلیل المشی ولا أستطیع زیارتكم كل حین، قال : هات حاجتك، قلت: أخبرنی بدینك الذی تدین الله تعالى به أنت وأهل بیتك لأدین الله تعالى به، قال: إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطینك دینی ودین آبائی الذی ندین الله تعالى به، شهادة أن لا اله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله والولایة لولینا والبراءة من أعدائنا، والتسلیم لأمرنا ، وانتظار قائمنا والاجتهاد والورع.
على أن أئمة أهل البیت علیهم السلام حددوا تكلیف أتباعهم وما یجب أن یعملوه إبان غیبة إمامهم، وما هی حدود مسؤولیة كل واحدٍ منهم اتجاه نفسه واتجاه الآخرین، أی تحدید التكافل الاجتماعی الذی من خلاله یتاح للمكلف أن یتكامل وللمجتمع الإسلامی أن یرقى إلى درجة الكمال والبناء.
روى المجلسی بسندٍ صحیح عن جابر قال: دخلنا على أبی جعفر محمد بن علی علیهما السلام ونحن جماعة بعدما قضینا نسكنا فودعناه وقلنا له: أوصنا یا ابن رسول الله، فقال: لیعین قلوبكم ضعیفكم، ولیعطف غنیكم على فقیركم، ولینصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه ، واكتموا أسرارنا، ولا تحملوا الناس على أعناقنا، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا ، فإن وجدتموه فی القرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردوه، وإن اشتبه الأمر علیكم فقفوا عنده، وردوه إلینا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا ، فإذا كنتم كما أوصیناكم ولم تعدوا إلى غیره فمات منكم میّت قبل أن یخرج قائمنا كان شهیداً ، ومن أدرك قائمنا فقتل معه كان له أجر شهیدین ، ومن قتل بین یدیه عدواً لنا كان له أجر عشرین شهیداً.
والروایة بذلك تحدد المعالم العامة للسلوكیة الشیعیة إبان الغیبة ووظیفة المكلف عند الانتظار، فقد حدد الإمام علیه السلام سلوكیة المكلف على المستوى العملی وعلى المستوى العلمی ـ الفكری كذلك.
الاستقرار النفسی لجماعة الانتظار:
لعل أهم ما یمیز أتباع أهل البیت علیهم السلام المتطلعون لانتظار الیوم الموعود هو حالة الاستقرار النفسی الذی یمیزهم عن غیرهم.
وهذا الاستقرار ناشئ من حالة الاطمئنان المنبعثة من التطلع إلى مستقبل مشرق ترتسم صورته فی ذهنیة المنتظِر ـ بالكسرـ من خلال فلسفة الانتظار التی یدین بها إلى الله تعالى، فحالات الإحباط الناشئة من ظروف سیاسیة تحیط بأتباع أهل البیت علیهم السلام لم تعد ذات أثر على مستقبل وجودهم، بل وحتى على ما یتطلع إلیه هؤلاء الأتباع من بناء هیكلتهم الاجتماعیة والاقتصادیة والسیاسیة كذلك ، وهذا راجع إلى ما تحمله فلسفة الانتظار من آمال تعقدها النفسیة الشیعیة على قیام دولة المنتظَر ـ بالفتح ـ فعلى المستوى الفردی یشعر الفرد وهو یعیش حالة الانتظار بالأمل الكبیر فی تحقق أهدافه تحت ظل الدولة المهدویة المباركة.
فالإحباطات النفسیة لأسباب متعددة یمكن للفرد أن یتفاداها بما یعقده من آمال على تلك الدولة القادمة التی تبسط العدل والسلام فی ربوع هذه الأرض المقهورة، فإذا لم یتحقق هدفه عاجلاً فإنّ مستقبله فی الآجل سینجزه ذلك الإمام الموعود ، وبذلك فإنّ هذا الفرد سیكون فی حالة أمل دائم وترقب متفاءل یصنع من خلاله غده السعید ، وبذلك فإنّ الاستقرار النفسی الذی یعیشه المنتظِر هو إحدى خصوصیاته، وهذا الاستقرار سیكون سبباً فی الإبداع ومن ثم التكامل الذاتی.
أما على المستوى الجماعی فإنّ جماعة الانتظار تطمح إلى تحقیق برامجها فی ضوء الآمال المعقودة على ترقب الدولة المهدویة ، وهذه الجماعة تستشعر معایشة قائدها معها فی كل الأحوال، وتقطع أن نجاح ما تصبو إلیه یكون مرهوناً بتسدید هذا القائد الإلهی ورضاه، وهو مصداق قوله تعالى: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَیَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) ، قال الصادق علیه السلام : والمؤمنون هم الأئمة، وهذا ما یناسبه سیاق الآیة.
ومن غریب ما فسرته بعض المذاهب الإسلامیة أن المقصود من قوله تعالى : “و المؤمنون ” هم جماعة المؤمنین، وهذا من غریب ما وقع به هؤلاء دفعاً لمحذور الاعتراف بمقامات الأئمة الأطهار علیهم السلام التی یقررها القرآن الكریم وتقتضیه شؤون خلافة الله فی أرضه ـ فی بحث لیس هنا محل ذكره ـ، على أن الخطاب فی الأمة للمؤمنین، فكیف یكون بعد ذلك قول الحكیم حكیماً حینما یكون المخاطب المكلف هو نفس الشاهد على عمله؟! وما إلى غیر ذلك من خروقات الرؤیة السیاسیة التی تتدخل فی التفسیر القرآنی والحدیث النبوی من أجل “استحصال ” حالات التأیید لمواقفها المناهضة لأهل البیت علیهم السلام .
وعلى كل حال فإن نجاح جماعة الانتظار یكمن فی تفاؤلها الطموح بقیام دولة الحق والعدل، وهی تسعى دائماً إلى صیاغة أعمالها على أساس ذلك ، لذا فهی فی حیویة دائمة غیر مشلولة نتیجة الإحباطات السیاسیة المحیطة بجماعة الانتظار ، فضلاً عن أن هذه الجماعة تحقق نجاحها فی خضم تحدیات تواجهها دائماً.
وعلى هذا فأی نجاح مهما تكون درجته سیكون له معناه فی ظل هذه التحدیات وهو مكسب مهم وقضیة خطیرة فی ظل ذلك.
ومقابل هذا فإن أی تعثر فی عمل هذه الجماعات سوف لن یسلمها إلى الیأس والتردد طالما هناك البدیل الذی یحققه قیام الدولة المهدویة المباركة.
وعلى هذا الأساس فإن جماعة الانتظار تعیش دائماً طموحاتها الواقعیة، متحدیة بذلك الصعاب والإحباطات التی تواجهها فی ظل ظروف تتكالب على هذه الجماعة سعیاً لإنهائها وتصفیتها.
هذه الحالة من التفاؤل التی تعیشها جماعة الانتظار تبعث على الأمل فی تحقیق برامجها وبناء حضارتها والسعی من أجل التكامل فی كل المیادین.
من هنا علمنا دواعی العمل الدائم الحثیث لجماعة الانتظار، وأسباب نجاحها على كل الأصعدة بالرغم من كل ماعانته وتعانیه من ظروف قاهرة یصعب معها الإبداع، فضلاً عن البقاء، لولا ذلك الأمل الذی یحدو جماعة الانتظار.
وعلمنا فی الوقت نفسه إمكانیة تأسیس حضارة تعیش طموحاتها هذه الجماعة فی ظل فلسفة الانتظار.
إلى جانب ذلك، یعیش الفرد البعید عن حالة الانتظار حالات التوجس من الفشل وهاجس الخوف على مستقبله المجهول ، فأیة قضیة یواجهها هذا الفرد تودی بكل طموحاته وتشل قدراته، فهو یحاول أن یحقق مكسبه عاجلاً لغیاب حوافز البدیل فیما لو أخفق على صعید عمله، فإن خسارته هذه ستكون فادحة فیما إذا هو أحس بعدم تعویضها بالبدیل.
والانتظار حالة أملٍ وطید یعیشه المنتظِر ـ بالكسرـ فإذا غابت عن الإنسان هذه الرؤیة فلابد أن تحیط ذاته هواجس الخوف، وبذلك سیكون مهزوماً دائماً، غیر جدیر بإمكانیة مواجهة الصعاب والمحن التی تعصف به فی كل حین من خلال ظروف عالمیةِ متقلبة وإقلیمیة غیر مستقرة، وبذلك فلم یكن مثل هذا الفرد جدیراً فی بناء حضارة أو السعی لتكامل ذاته وبناء شخصیته.
الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر من خصوصیات حضارة الانتظار:
على أن ما یمیز جماعة الانتظار هو حالة الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر ، وهذه الحالة تساعد على تمتین أواصر العلاقة بین أعضاء هذه الجماعة، إذ هی تشیر إلى حالة الشعور بالمسؤولیة دائماً اتجاه ذات الفرد ومن ثم اتجاه مجتمعه.
فملاحقة حالات الخرق للمجتمع الملتزم تتكفل إصلاحه قابلیة أفراد المجتمع على متابعة المنكر المرتكب من قبل الأفراد أو الجماعات، لتقف بوجه الخطر الناشئ عن هذا الخرق المرتكب ، والمحافظة على حدود الشریعة بالتذكیر الدائم والرقابة المستمرة لعدم تجاوز حیثیات الالتزام الدینی.
ومن جهته یسعى هذا المجتمع بكل شرائحه وفصائله إلى تمیتن العلاقة بینه وبین إقامة الواجبات الدینیة، وكذلك المستحبات التی یرغب الشارع فی مزاولتها من قبل المكلفین.
فإذا تمت هذه الحالات واستطاع المجتمع من المداومة علیها ورعایة حقوقها، أمكن لهذا المجتمع من بناء شخصیته الحضاریة المتمیزة بالأمن والسلام، وذلك بتجنب المنكر المنهی عنه من قبل أفراده، إضافة للعدل والمعروف بكل مصادیقه لعنایة أفراد المجتمع بإتیانه والأمر به.
وهكذا سوف تكون لحضارة جماعة الانتظار حضورها الدائم وشخصیتها المتمیزة.
فقد حث أئمة أهل البیت علیهم السلام شیعتهم على التزام هذه الفریضة وكونها إحدى میزاتهم التی تركها غیرهم ولم یتحلوا بها، ثم بیّنوا ما لهذه الفریضة من آثار وضعیة فضلاً عن إسقاط التكلیف بالعمل بها وعدم العقوبة عند إتیانها.
عن أبی جعفر علیه السلام قال: یكون فی آخر الزمان قوم ینبع فیهم قوم مراؤون… إلى أن قال: ولو أضرت الصلاة بسائر ما یعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها، إن الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر فریضة عظیمة بها تقام الفرائض، هنالك یتم غضب الله عز وجل علیهم فیعمّهم بعقابه فیهلك الأبرار فی دار الأشرار ، والصغار فی دار الكبار، إن الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر سبیل الأنبیاء، ومنهاج الصلحاء، فریضة عظیمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب ، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض ، وینتصف من الأعداء ویستقیم الأمر … الحدیث.
والحدیث یبین أسس البناء الحضاری عند مراعاة الفریضة، فبها تقام الفرائض أی یشیّد مجتمع إسلامی تكون معالمه أحكام الشریعة، ویطبق من خلال ذلك النظام الإسلامی الذی یطمح إلیه الجمیع.
كما أنّ قوله علیه السلام: ” وتأمن المذاهب” فإن استتباب الأمن والسلام مرهون بتطبیق هذه الفریضة.
وقوله علیه السلام : وتحل المكاسب، فإنّ بالأمر بالمعروف والنهی عن المنكر یتم تشیید البنیة الاقتصادیة وهیكلة النظام المعاشی، وذلك من خلال استتباب الأمن وإمكانیة تنشیط دور القطاعات العاملة والرسامیل التی یمتلكها أصحابها.
وقوله علیه السلام :” وترد المظالم ” فإن الحقوق المدنیة تتحقق فی ظل نظام أمنی مستقر، وبغیاب ذلك لا یمكن القیام بأیة مهمة من شأنها تحقیق ضمانة النظام الإنسانی.
وقوله علیه السلام : و” تعمر الأرض ” فإن الإصلاح الاقتصادی یمكن القیام به عندما یتعاهد ذلك نظام یحفظ الحقوق ویشجّع على استثمارات اقتصادیة تتكفل بنظام اقتصادی رشید، وإعمار الأرض لا یقتصر على استصلاحها زراعیاً أو معدنیاً ، فلعل ذلك إشارة إلى إصلاح الأرض وما علیها من نظام سكانی یلازم صلاحیة الأرض لاحتواء التجمعات البشریة حینئذ ٍ.
وقوله علیه السلام : و” ینتصف من الأعداء” فإن بالأمر بالمعروف والنهی عن المنكر حین یستتب الأمن بسببهما یمكن من خلال ذلك إیجاد قوة دفاعیة ترد كید الأعداء ، أو هجومیة تعین جماعة الانتظار على حفظ حقوقهم والحصول على مكاسبهم المشروعة اتجاه القوى الأخرى.
وقوله علیه السلام: ” ویستقیم الأمر” فهو محصلة هذه الجهات التی یمكن تحققها فی ظل القیام بفریضة الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر .
كما أن اللهجة التی یستخدمها الأئمة علیهم السلام فی مراعاة هذه الفریضة والوجوب بإتیانها لهجة تتعدى أسلوب الحث والترغیب إلى أسلوب الإنذار والتهدید، وحلول اللعنة التی یحذّر الإمام علیه السلام أتباعه منها بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر، أسلوب یشدده الأئمة علیهم السلام فی استتباب هذه الفریضة بین جماعة الانتظار.
فعن محمد بن مسلم قال: كتب أبو عبد الله علیه السلام إلى الشیعة: لیعطفن ذوو السن منكم والنهى على ذوی الجهل وطلاب الرئاسة، أو لتصیبنّكم لعنتی أجمعین.
على أن من مهام التغییر هو الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر، فإن ذلك سبب فی بناء حضاری وتكامل ذاتی.
فعن الحسن عن أبیه عن جده قال: كان یقال: لایحل لعین مؤمنة ترى الله یعصى فتطرف حتى تغیره.
فإنّ النزعة التغییریة لدى جماعة الانتظار مبنیة على محاولة الإصلاح والارتباط بالله تعالى وتطبیق شریعته.
خصوصیة العزة والكرامة ورفض الذل والهوان:
وإذا كانت جماعة الانتظار ترتبط بقیادتها المعصومة التی ستحقق لها آمالها ببسط العدل والسلام بقیام دولتها الموعودة، فإن لهذا الشعور الدائم آثاره فی سلوكیة هذه الجماعة، فهی تستشعر الأمل بتحقیق طموحاتها، وعندها فلا داعی للركون إلى الغیر أو الشعور بحاجة الغیر فهی فی غنىً دائم عن الأخرین، لأنها ترتبط بقیادة تسحق بظهورها كل ظلم وطغیان.
وهذه الدواعی لدى جماعة الانتظار تدفعها إلى الإحساس بالنجاح والظفر على مدى مستقبل أطروحة الانتظار التی تحقق معها قیام دولة الحق، وهذه الدواعی تعزز لدى الأفراد منهم العزة والكرامة ورفض الذل والهوان بالركون إلى الأخرین. إذن فالانتظار یدعو إلى الأمل الدائم وتحقیق النصر والنجاح على كل المستویات. وهذا هو سبب استقلالیة جماعة الانتظار وعدم لجوئها إلى غیرها، حیث تقررت شخصیتها من خلال ممارسة أسلوب الاعتماد على النفس من دون الخضوع إلى أطروحات الأخرین علمیاً أو عملیاً.
الانتظار الكبیر
المستقبل الذی ینبغی أن تعقد علیه الآمال، والذی شاءت الإرادة الإلهیة أن یسیر نظام العالم تجاه، هو هذا الذی ذكرناه.
والآن ینبغی أن نعود إلى موضوع انتظار الفرج الذی قسمناه فی بدایة هذا الحدیث إلى قسمین:
انتظار بناء حركی ملتزم عبادی، بل من أفضل العبادات، وانتظار مخرب معوق یبعث على الخمود والخمول والكسل والتقاعس، ویعتبر نوعا من “الإباحیة”.
ذكرنا أن هذین اللونین من الانتظار ینطلقان من نوعین من التصور حول الحدث التاریخی العظیم المتمثل بظهور المهدی الموعود.
وهذان التصوران ینتجان بدورهما من نوعین من التصور بشأن تطور التاریخ.
نشرح فیما یلی هذین النوعین من الانتظار نبدأ بالانتظار المخرب:
الانتظار المخرب
بعض المؤمنین بظهور المهدی یتصورون أن نهضة هذا المنجی ذات طابع انفجاری محض، وناتجة فقط عن انتشار الظلم والجوع والفساد والطغیان، أی أن مسألة الظهور نوع من الإصلاح ناتج عن تصاعد الفساد.
هؤلاء یتصورون أن مسیرة البشریة تتجه إلى انعدام العدل والقسط، وإلى زوال أنصار الحق والحقیقة، وإلى استفحال الباطل.
وحینما یصل هذا الانحدار إلى نقطة الصفر یحدث الانفجار المرتقب، وتمتد ید الغیب لإنقاذ الحقیقة – لا أنصار الحقیقة – إذ لن یبقى للحقیقة أنصار آنذاك.
هذا التصور یُدین كل إصلاح، لأن الإصلاح، یشكل نقطة مضیئة على ساحة المجتمع العالمی، ویؤخر الإمداد الغیبی كما یعتبر هذا التصور كل ذنب وتمییز وإجحاف مباحا لأن مثل هذه الظواهر تمهد للإصلاح العام وتقرب موعد الانفجار.
هذا التصور یمیل إلى مذهب الذرائع الذی یذهب إلى أن الغایة تبرر الوسیلة
فإشاعة الفساد – بناءاً على هذا التصور – أفضل عامل على تسریع ظهور المهدی وأحسن شكل لانتظار فرج ظهوره.
أصحاب هذا التصور ینظرون إلى الذنوب نظرة تفاؤل واستبشار ویعتبرونها عاملا مساعدا على انطلاق الثورة المقدسة الشاملة.
هؤلاء ینظرون إلى المصلحین والمجاهدین والأمرین بالمعروف والناهین عن المنكر بعین الحقد والعداء.. لأنهم یعملون على تأخیر ظهور المهدی.
أصحاب هذا التصور – إن لم یكونوا هم من زمرة العاصین – ینظرون إلى أصحاب المعاصی بعین الارتیاح والرضى لأنهم یمهدون لظهور القائم المنتظر.
الانتظار البنّاء:
الآیات الكریمة التی تشكل أرضیة التفكیر حول ظهور المهدی المنتظر تتجه إلى جهة معاكسة للنظرة السابقة.
هذه الآیات تشیر إلى أن ظهور المهدی حلقة من حلقات النضال بین أهل الحق وأهل الباطل، وأن هذا النضال سیسفر عن انتصار قوی الحق. وتتوقف مساهمة الفرد فی تحقیق هذا الانتصار على انتمائه العملی إلى فریق أهل الحق.
هذه الآیات التی تستند إلیها الروایات فی مسألة ظهور المهدی تشیر إلى أن المهدی تجسید لآمال المؤمنین العاملین، ومظهر لحتمیة انتصار فریق المؤمنین.
((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُم فِی الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا یَعْبُدُونَنِی لاَ یُشْرِكُونَ بِی شَیْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)(النور55)
ظهور المهدی الموعود تحقیق لمنة الله على المستضعفین ووسیلة لاستخلافهم فی الأرض ووراثتهم لها.
((وَنُرِیدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِینَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِی الأَرْضِ وَنُرِیَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا یَحْذَرُونَ)) (القصص5-6)
ظهور المهدی الموعود تحقیق لما وعد الله به المؤمنین والصالحین والمتقین فی الكتب السماویة المقدسة:
)وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِی الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ یَرِثُهَا عِبَادِیَ الصَّالِحُونَ)(الأنبیاء105)
ثمة حدیث معروف فی هذا المجال یذكر أن المهدی “یملأ به الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا “.
هذا الحدیث شاهد على ما ذهبنا إلیه ی مسألة الظهور لا على ادعاء أرباب الانتظار المخرب.
هذا الحدیث یركز على مسألة الظلم ویشیر إلى وجود فئة ظالمة وفئة مظلومة وإلى أن المهدی یظهر لنصرة الفئة المظلومة التی تستحق الحمایة.
ولو كان الحدیث یقول أن المهدی “یملأ الله به الأرض وإیماناً وتوحیداً وصلاحاً بعدما ملئت كفراً وشركاً وفساداً” لكان معنى ذلك أن نهضة المهدی الموعود تستهدف إنقاذ الحق المسحوق لا إنقاذ أنصار الحق، وأن كان هؤلاء الأنصار أقلیة.
یروی الشیخ الصدوق عن الإمام الصادق علیه السلام:
إن ظهور المهدی لا یتحقق حتى یشقی من شقی ویسعد من سعد”.
الحدیث عن الظهور یدور حول بلوغ كل شقی وكل سعید مداه فی العمل، ولا یدور حول بلوغ الأشقیاء فقط منتهى درجتهم فی الشقاوة.
وتتحدث الروایات الإسلامیة عن نخبة من المؤمنین یلتحقون بالإمام فور ظهوره.
ومن الطبیعی أن هذه النخبة لا تظهر معلقة فی الهواء بل لا بدّ من وجود أرضیة صالحة تربی هذه النخبة على الرغم من انتشار الظلم والفساد. وهذا یعنی أن الظهور لا یقترن بزوال الحق والحقیقة، بل أهل الحق- حتى ولو قلوا فرضاً – یتمتّعون بكیفیة عالیة تجعلهم فی مصافی المؤمنین الأخیار، وفی مرتبة أنصار الحسین بن علی علیه السلام.
الروایات الإسلامیة أیضا عن سلسلة من النهضات یقوم بها أنصار الحق قبل ظهور المهدی، منها نهضة الیمانی. مثل هذه النهضات لا یكن أن تبتدئ بساكن، ولا تظهر دون أرضیة مسبقة.
بعض الروایات تتحدث عن قیام دولة أهل الحق التی تستمر حتى ظهور المهدی.. حتى أن بعض العلماء أحسنوا الظن بدولة بعض السلالات الحاكمة، فظنوها أنها الدولة التی ستحكم حتى ظهور المهدی.
هذا الظن – وان كان ینطلق من سذاجة فی فهم الوقائع السیاسیة والاجتماعیة – یدل على استنباط هؤلاء العلماء من الروایات والأخبار المتعلقة بظهور المهدی ما یشیر إلى أن الظهور لا یقترن بفناء الجناح العدل والتقوى والصلاح على جناح الظلم والتحلل والفساد.
الآیات والروایات المرتبطة بظهور المهدی المنتظر تدلّ على أن ظهوره یشل آخر حلقات الصراع الطویل بنی أنصار الحق وأنصار الباطل منذ بدء الخلیقة.
“المهدی المنتظر تجسید لأهداف الأنبیاء والصالحین والمجاهدین على طریق الحق”.
الانتظار ثبات على الولایة
إن من العقائد الثابتة لدینا أن الأرض لا تخلو من حجة إلى یوم القیامة، ولكن الظروف التی ألمّت بالشیعة فی عصور الأئمة علیهم السلام اقتضت أن یكون الإمام الثانی عشر غائباً عن أنظارنا إلى أن یحین الفرج بإذن الله تعالى..
ورغم غیابه عجل الله تعالى فرجه الشریف إلا إن ارتباطنا لا ینبغی أن ینقطع أو یتجمّد كما هی ادعاءات البعض .. لأنه عجل الله تعالى فرجه الشریف لیس غائباً عن معادلات التأثیر المرتبطة بواقعنا والمرتبطة (بالكون)..
فقد سئل النبی صلى الله علیه وآله وسلم هل ینتفع الشیعة بالقائم علیه السلام فی غیبته؟ فقال: إی والذی بعثنی بالنبوة إنهم لینتفعون به، ویستضیئون بنور ولایته فی غیبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللّها السحاب ، فكما أن الشمس تواصل عطاءها ودورها حتى حینما تتوارى خلف السحب، كذلك الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشریف یواصل عطاءه ویبقى نوره متوهجاً..فی غیبته .. وأول ما ننتفع به هو تماسك الكون وتأثیره الكونی فیه ففی الحدیث: (لو لا الحجة لساخت الأرض بأهلها)، وكما قال الإمام المنتظر نفسه عجل الله تعالى فرجه الشریف: (وإنی لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء).
كما أن له عجل الله تعالى فرجه الشریف ارتباط وثیق بمدى تمسك المؤمنین بإیمانهم، حیث لابد أن یمهد لخروجه بالعمل الجاد الدءوب… ومن ارتباطنا بالإمام الغائب فی التوسّل إلى الله وطلب الشفاعة منه، قال رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم: (الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم، والأمانة، ونبیكم، وأهل بیت نبیكم) .
وانتظارنا لخروجه لیملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً ونحن متمسكین بمبادئه ونعمل على التمهید إلى ظهوره بإیمان وصبر لهو أفضل العبادة.. كما فی الحدیث عن رسول الله: صلى الله علیه وآله وسلم: (أفضل أعمال أمتی انتظار فرج الله عزوجل). وقول الصادق علیه السلام: (المنتظر للثانی عشر كالشاهر سیفه بین یدی رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم یذبّ عنه.
البعد العقیدی للانتظار:
لقد كثرت الروایات حول قیمة انتظار القائم من آل محمد صلى الله علیه وآله وسلم، إذ عبرت أنه من أفضل الأعمال فی عصر غیبته علیه السلام، كما عن الرسول الأعظم صلى الله علیه وآله وسلم:(إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج)، وقوله صلى الله علیه وآله وسلم: (أفضل أعمال شیعتنا انتظار الفرج)، وعن أبی الحسن الرضا عن آبائه: إن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم قال:(أفضل أعمال أمتی انتظار الفرج من الله عزّ و جلّ)، بل قد جاء عن أمیر المؤمنینعلیه السلام انه قال:(المنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه فی سبیل الله).
إن كثرة الروایات عن الانتظار وهی مهمة الشیعة فی عصر الغیبة، أو هی مهمة من المهام، تجعلنا نؤكّد على دراسة مفهوم الانتظار لنستجلی معانیه ودلالاته، وأكثر ما وجدتُ من معالجات العلماء الأعلام الذین كتبوا حول الانتظار ركّزوا على البعد العملی والدلالة الإیجابیة لمفهوم الانتظار، وهی الملخصة فی فكرة الإعداد والاستعداد لظهور الإمام عجل الله فرجه، حیث أن المنتظر للضیف سیكون عمله الاستعداد والتهیئة لذلك الضیف، فإذا كان الضیف هو الإمام المعصوم علیه السلام، فإن الانتظار یكون الإعداد بالأمر بالمعروف والنهی عن المنكر، والعمل إلى إقامة حكم الله فی الأرض، وتكوین مجتمع له الإمكان والاستعداد لحمل الرایة عند ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشریف.
ولاشك أن هذا المعنى لهو ما ینبغی على المؤمنین تأدیته، وهو مأخوذ كما هو واضح، لیس من المعنى اللغوی لكلمة الانتظار إنما من القرینة المقامیة لانتظار الإمام المعصوم علیه السلام ویكون المعنى اللغوی مساعداً علیه فـ (كلمة الانتظار قد أُشتقت من (نظر) كما قال صاحب المفردات:(نظر:‏ النظر تقلیب البصر والبصیرة لإدراك الشیء ورؤیته وقد یراد به التأمل والفحص وقد یراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص …..والنظر الانتظار یقال نظرته وانتظرته وأنظرته) .ونود أن نشیر إلى بعد إضافی آخر لمفهوم الانتظار من الناحیة العقیدیة، لیعطی سعة لما ورد، وهو معنى لا یقل أهمیة عن الأول إن لم یكن أكثر أهمیة، لأنه یرتبط بالأساس العقیدی الذی تدور مدارات قبول الأعمال وعدمها بمقدار سلامته.
المعنى الذی نستخلصه للانتظار هو (البقاء على الإیمان بالعقیدة بالمهدی عجل الله تعالى فرجه الشریف فی عصر الغیبة) طوال حیاة الإنسان، ورغم التشكیكات الضاغطة التی تتقاذف من أفواه بعض المشككین، ولا یخفى ما للبقاء على الإیمان بالمهدی عجل الله تعالى فرجه الشریف من أهمیة تتصل ببعد الإمامة التی تختتم به علیه السلام، إذ عدم الإیمان به یعد خرقاً لعقیدة الإمامة التی تؤمن بإثنی عشر إماماً بعد الرسول الأعظم صلى الله علیه وآله وسلم، كما نصّت بذلك النصوص الصحیحة.
ونحدد الوجوه التی تدل على هذا المعنى بالآتی:
الانتظار.. اعتقاد
1ـ كما أن من ینتظر شخصاً، یقوم بالإعداد لقدومه، فإن من ینتظر شخصاً فإنه یعترف به، إذ قد ورد فی الانتظار أن الذی سیظهر إمام من نسل الأئمة علیه السلام، وهو بُعد العقیدة عند الإنسان المنتظِر، فمن ینتظر عالماً فذلك اعتراف بعلمیته، ومن ینتظر ظالماً فإنه یعتقد بظلمه، وهكذا من ینتظر إماماً من المؤكد أنه یعترف بإمامته.
ومن یقول فی دعائه (عزیزٌ علیّ أن أرى الخلقَ ولا تُرى، ولا أسمع لك حسیساً ولا نجوى، عزیزٌ علیّ أن تحیطَ بك دونی البلوى ولا ینالك منی ضجیج ولا شكوى، بنفسی أنت من مغیّب لم یخل منّا، بنفسی أنت من نازحٍ ما نزحَ عنّا، بنفسی أنت أمنیة شائق یتمنّى، من مؤمن ومؤمنة ذكراً فحناً) ، وهو دعاء فی انتظار الفرج والشوق إلیه، فمن یردّد هذا الدعاء فهو بلا أدنى شك من المؤمنین بالقائم من باب أولى.
المنتظرون هم الشیعة صدقاً:
2ـ الأمر الذی یؤازر هذا المعنى بشكل قوی هو اقتران امتحان عقیدة المسلم فی عصر الغیبة، بمسألة الانتظار، مما یدل على أن الانتظار یشكل بعد التمسك بتلك العقیدة المهدویة وأمان من الانحراف عنها إلى غیرها، وأن المنتظرین هم الثابتون على ولایة أهل البیت علیه السلام وهم الشیعة صدقاً لا بالاسم بل بالاعتقاد (الانتظار)، كما فی هذا الحدیث العالی الشأن: (عن أبی حمزة الثمالی عن أبی خالد الكابلی عن على بن الحسین علیه السلام قال تمتد الغیبة بولی الله الثانی عشر من أوصیاء رسول الله صلى الله علیه وآله وسلَّم و الأئمة بعده یا أبا خالد إنَّ أهل زمان غیبته القائلون بإمامته المنتظِرون لظهوره أفضل أهل كل زمان لان الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول و الإفهام و المعرفة ما صارت به الغیبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم فی ذلك الزمان بمنزله المجاهدین بین یدی رسول الله صلى الله علیه وآله و سلَّم بالسیف أولئك المخلصون حقا و شیعتنا صدقا و الدعاة إلى دین الله سرا و جهرا و قال: (انتظار الفرج من أعظم الفرج).
ففی هذا الحدیث یصف المنتظرون بأنهم أوتوا من العقول و الأفهام والمعرفة ما یجعل عقیدتهم بالإمام المنتظر قویة، فكأنهم فی عصر الغیبة فی مشاهدة له عجل الله فرجه، وهذا هو المعنى الذی یظهر من مفهوم الانتظار.
الثابتون فی عصر الغیبة:
3ـ لقد ورد فی الروایات عن أهل البیت علیه السلام أن الثبات على الولایة لها أجر عظیم، كما فی الحدیث عن علی بن الحسین زین العابدین علیه السلام:(من ثبت على موالاتنا فی غیبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهید مثل شهداء بدر وأحد).
وعن یمان التمّار قال: ( كنّا عند أبی عبد الله علیه السلام جلوساً فقال لنا: إن لصاحب هذا الأمر غیبة، المتمسك فیها بدینة كالخارط للقتاد ثم قال: هكذا بیده، فأیّكم یمسك شوك القتاد بیده ؟ ثم أطرق ملیّاً، ثم قال: إن لصاحب هذا الأمر غیبة، فلیتق الله عبد ولیتمسك بدینه).
الانتظار بالصبر:
4ـ أن بعض الروایات جاء فیها الانتظار مقروناً بالصبر، والصبر یدل على الثبات وعدم الانحراف عن العقیدة، كما عن الإمام الرضا علیه السلام انه قال:(إن دینهم الورع والعفة والاجتهاد.. والصلاح وانتظار الفرج بالصبر)، فالصبر أداة ووسیلة للانتظار.
فمفهوم الانتظار الذی ینبغی أن یتمثله الإنسان المسلم، إضافة إلى ما یعنیه من العمل على التهیئة والإعداد للإمام المنتظرعجل الله تعالى فرجه الشریف فی الإصلاح والتغییر، كذلك هو الثبات على الولایة والتمسّك بالعقیدة المهدویة فی زمن التشكیكات والمشككین، فإن انتظار المهدی ثبات على الولایة، والثبات على الولایة ثبات على الدین وهو أفضل أعمال الإنسان فی زمن الغیبة.
تشریف الإمام عجل الله تعالى فرجه
إن وجود الإمام المعصوم فی الأمة هو المصدر الشرفی لها، فهو الذی یحدّد معالمها ویكوّن كیانها ویضفی علیها شرعیة مستمدّة من منبع الوجود جل وعلا، فالتكوین الذی یضفیه الإمام المعصوم هو تكوین متسامٍ عن المادّیات الزائلة، وقریب من العنویات الإلهیة الباقیة، .. هذا الشرف الأبدی الذی اختارته السیدة نرجس علیها لسلام بعد قدومها من رحلة السفر الشاقّة ومعاناة الأسر الألیمة، حینما سألها الإمام الهادی علیه السلام قائلاً: فإنی أرید أن أكرمك، قأیّما أحب إلیك: عشرة آلاف دینار، أم بشرى لك بشرف الأبد ؟
قالت: بل البشرى.. (رغم أن المبلغ لم یكن قلیلاً حینها بل یعدّ ثروة طائلة، فقد اشتراها الإمام من سوق الرّق بمأتین وخمسین دیناراً فقط، وما یقدّمه الإمام لها الآن أضعافاً مضاعفة، یعادل شراء أربعین جاریة بل أكثر إذا ما قیست النسبیة بینهن وقتها).. فتختار السیدة نرجس شرف الأبد .. وهی متلهفة لسماع هذا الشرف من فم الإمام .. فقال علیه السلام: فابشری بولد یملك الدنیا شرقاً وغرباً، ویملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجور)
فهذا الشرف الإلهی هو الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الذی یغیّر المعادلات فی أی أمة تتشرّف برعایته وهی مدركة حقه ومكانته، باعتباره الإمام المعصوم المفترض الطاعة، المجسّد للقیم الإلهیة بأجلى صورها..
وتمر أیام الزمن ویتزوج الإمام الحسن العسكری علیه السلام من السیدة نرجس، فتحمل بإمام العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشریف .. فتأتی لها السیدة الطاهرة حكیمة عمة الإمام علیه السلام لیلة النصف من شعبان، وهی مدركة تماماً مدى التغییر للمعادلات الذی یصنعه مقام الإمام ومدى الشرف الذی یسبغه على المرتبط به .. فألقت السلام على أهل البیت وجلست .. فجاءت نرجس تنزع خف حكیمة وتقول لها: یا سیدتی وسیدة أهلی، فأنكرت نرجس قولها .. وقالت: ما هذا یا عمة!
فقالت حكیمة: (إن الله تعالى سیهب لك فی لیلتنا هذه غلاما سیدا فی الدنیا والآخرة) .
هكذا غیّر شرف الإمام عجل الله تعالى فرجه الشریف المعادلات، فهل تغیرها فی واقعنا بعد أن شرفنا الله بولایة إمام زماننا ؟!
یتحقق ذلك عندما نجسّد تعالیم القرآن وأهل البیت علیه السلام فی واقعنا .. و نهتدی بهدیهم .. لا بما تملیه علینا أهواؤنا وعصبیّاتنا البغیضة.
خاتمة فی فضل الانتظار
تعرضت كثیر من الأحادیث عن النبی صلى الله علیه وآله والأئمة الطاهرین علیهم السلام إلى فضیلة الانتظار.
ولعل هذه الأحادیث لیست على سبیل الحصر، بل ذكرها أهل البیت علیهم السلام كأجلى مصادیق الانتظار وأوضحها، وإلاّ ففضائل الانتظار أكثر من أن تحصى، ویكفیها قولهم علیهم السلام: أفضل العبادة انتظار الفرج، فإن أرقى ما یصل إلیه الإنسان من تكامل ورقی روحی وعملی كذلك هو بلوغه أرقى مقامات القرب إلى الله تعالى الذی تحققه عبادته، فكیف إذا وصف العمل بأنه أفضل العبادات؟ مما یعنی أن الإنتظار یعد فی أولویة حالات التكامل والنهوض بمستوى الفرد، ومن ثم مستوى المجتمع.
روى الصدوق بسنده عن أبی عبد الله علیه السلام قال: من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان فی فسطاط القائم علیه السلام.
وبنفس إسناده عن أبی الحسن عن آبائه علیهم السلام أن رسول الله صلى الله علیه وآله قال: أفضل أعمال أمتی انتظار الفرج من الله عز وجل.
وعن أبی عبد الله عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السلام قال: المنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه فی سبیل الله.
وفی البحار عن عمار الساباطی قال: قلت لأبی عبد الله علیه السلام : العبادة مع الإمام منكم المستتر فی السر فی دولة الباطل أفضل، أم العبادة فی ظهور الحق ودولته مع الإمام الظاهر منكم؟
فقال: یا عمار الصدقة فی السر والله أفضل من الصدقة فی العلانیة، وكذلك عبادتكم فی السرّ مع إمامكم المستتر فی دولة الباطل أفضل، لخوفكم من عدوّكم فی دولة الباطل وحال الهدنة، ممن یعبد الله فی ظهور الحق مع الإمام الظاهر فی دولة الحق، ولیس العبادة مع الخوف فی دولة الباطل مثل العبادة مع الأمن فی دولة الحق.
اعلموا أن من صلى منكم صلاة فریضة وحداناً مستتراً بها من عدوه فی وقتها فأتمها كتب الله عز وجل له بها خمسة وعشرین صلاة فریضة وحدانیة، ومن صلى منكم صلاة نافلة فی وقتها فأتمها كتب الله له بها عشرین حسنة، ویضاعف الله تعالى حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله، ودان الله بالتقیة على دینه وعلى إمامه وعلى نفسه، وأمسك من لسانه، أضعافاً مضاعفة كثیرة، إن الله عز وجل كریم.
قال: فقلت: جعلت فداك رغبتنی فی العمل، وحثثتنی علیه، ولكنی أحب أن أعلم : كیف صرنا نحن الیوم أفضل أعمالاً من أصحاب الإمام منكم الظاهر فی دولة الحق ونحن وهم على دین واحد، وهو دین الله عز وجل؟
فقال: إنكم سبقتموهم إلى الدخول فی دین الله وإلى الصلاة والصوم والحج وإلى كل فقه وخیر، وإلى عبادة الله سراً من عدوكم مع الإمام المستتر ، مطیعون له، صابرون معه، منتظرون لدولة الحق، خائفون على إمامكم وحقكم فی أیدی الظلمة، قد منعوكم ذلك واضطروكم إلى جذب الدنیا وطلب المعاش مع الصبر على دینكم، وعبادتكم وطاعة ربكم والخوف من عدوكم، فبذلك ضاعف الله أعمالكم فهنیئاً لكم هنیئاً.
قال: فقلت: جعلت فداك فما نتمنى إذاً أن نكون من أصحاب القائم علیه السلام فی ظهور الحق، و نحن الیوم فی إمامتك وطاعتك أفضل أعمالاً من أعمال أصحاب دولة الحق؟
فقال: سبحان الله أما تحبون أن یظهر الله عز وجل الحق والعدل فی البلاد ویحسن حال عامة الناس ویجمع الله الكلمة ویؤلف بین القلوب المختلفة ولا یعصى الله فی أرضه، ویقام حدود الله فی خلقه، ویردّ الحق إلى أهله فیظهرون حتى لا یستخفی بشیء من الحق مخافة أحد من الخلق؟
أما والله یا عمار لا یموت منكم میت على الحال التی أنتم علیها إلاّ كان أفضل عند الله عز وجل من كثیر ممن شهد بدراً وأحداً فأبشروا.
وروى عبد الله بن سنان عن أبی عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله علیه وآله: سیأتی قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسین منكم ، قالوا: یا رسول الله نحن كنا معك ببدر وأحد وصفین ونزل فینا القرآن! فقال: إنكم لو تحمّلوا ما حمّلوا لم تصبروا ما صبروا.
و عن جابر عن أبی جعفر علیه السلام أنه قال: یأتی على الناس زمان یغیب عنهم إمامهم، فیا طوبى للثابتین على أمرنا فی ذلك الزمان، إنّ أدنى ما یكون لهم من الثواب أن ینادیهم الباری عز وجل: عبادی آمنتم بسرّی وصدّقتم بغیبی ، فأبشروا بحسن الثواب منی فأنتم عبادی وإمائی حقاً، منكم أتقبّل وعنكم أعفو، ولكم أغفر ، وبكم أسقی عبادی الغیث، وأدفع عنهم البلاء، ولولاكم لأنزلت علیهم عذابی.
قال جابر: فقلت یا ابن رسول الله فما أفضل ما یستعمله المؤمن فی ذلك الزمان : قال حفظ اللسان ولزوم البیت .
غیبة النعمانی بسنده عن أبی بصیر عن أبی عبد الله علیه السلام أنه قال ذات یوم: ألا أخبركم بما لا یقبل الله عز وجل من العباد عملاً إلّا به؟ فقلت: بلى، فقال : شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده، والإقرار بما أمر الله والولایة لنا والبراءة من أعدائنا، والتسلیم لهم ـ یعنی الأئمة خاصة ـ والورع والاجتهاد والطمأنینة والانتظار للقائم علیه السلام، ثم قال: إن لنا دولة یجیء الله بها إذا شاء، ثم قال : من سرّه أن یكون من أصحاب القائم فلینتظر ولیعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر من أدركه فجدّوا وانتظروا ، هنیئاً لكم أیتها العصابة المرحومة.

الخاتمة:
وبتوفیق من الله عز وجل اكملنا البحث جعلنا الله من المنتظرین لأمرهم والمتمسكین بولایتهم والثابتبن على نهجهم انه سمیع مجیب وصلى الله على سیدنا محمد واله الطاهرین .

المصادر:
1. اعلام الهدایة .
2. الغیبة والانتظار للسید محمد علی الحلو
3. القائد المنتظر للسید صدر الدین القابنجی .
4. مسؤولیاتنا فی عصر الغیبة .
5. نهضة المهدی فی ضوء فلسفة التاریخ لمرتضى المطهری .
6. الانتظار ثبات على الولایة محمد الموسوی .
7. لقاء مع الشیخ المرجع ایة الله بشیر النجفی (مجلة الانتظار).
اسراء ابراهیم كریم

شاهد أيضاً

الإنتظار حالة ترقب لنبأ عظيم

مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عليه السلام قال سماحة السيد على السبزواري في حديثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *