الفجر المقدس المهدی علیه السلام (الغیبة و الظهور)

اعتاد المسلمون و المؤمنون منهم خاصة ، منذ بدایة دعوة الرسول صلى الله علیه وآله على تلقی الأحكام الإسلامیة و التعالیم الشرعیة مباشرة من الرسول صلى الله علیه وآله ، ومن بعده على ید الأئمة المعصومین الأطهار ، ولم یكن هناك أی حاجز یمنعهم من تلقی تلك الأحكام مباشرة. وبالتالی لم یكن ینتاب المؤمنین أو القاعدة الشعبیة المؤمنة أی شك بتلك الأحكام ، فهی صادرة من إمام معصوم ، وان بدأ لهم أی ارتیاب بالحكم الشرعی فمن السهل التأكد من صحة الأمر بالاتصال بالمعصوم (علیه السلام) مباشرة حیث وجودهم علیهم السلام بین ظهرانیهم ، وحینها لا بدّ من تطبیق الحكم الشرعی من غیر تردد…

 

القسم الأول:الغیبة: (الصغرى- الكبرى)

اعتاد المسلمون و المؤمنون منهم خاصة ، منذ بدایة دعوة الرسول صلى الله علیه وآله على تلقی الأحكام الإسلامیة و التعالیم الشرعیة مباشرة من الرسول صلى الله علیه وآله ، ومن بعده على ید الأئمة المعصومین الأطهار ، ولم یكن هناك أی حاجز یمنعهم من تلقی تلك الأحكام مباشرة. وبالتالی لم یكن ینتاب المؤمنین أو القاعدة الشعبیة المؤمنة أی شك بتلك الأحكام ، فهی صادرة من إمام معصوم ، وان بدأ لهم أی ارتیاب بالحكم الشرعی فمن السهل التأكد من صحة الأمر بالاتصال بالمعصوم (علیه السلام) مباشرة حیث وجودهم علیهم السلام بین ظهرانیهم ، وحینها لا بدّ من تطبیق الحكم الشرعی من غیر تردد.. هكذا كان الحال الذی اعتاده المؤمنون من زمن رسول الله صلى الله علیه وآله وحتى زمن الإمام العسكری (علیه السلام) ، (260سنة).

اختلف الحال فی زمن إمامة المهدی (علیه السلام) ، فبعد أن كان متاحاً للمؤمنین أن یلتقوا بالإمام المعصوم مباشرة ، یتلقون على یدیه الأحكام الشرعیة ، أصبح من العسیر رؤیة الإمام المعصوم .. لذا بدا یدب الشك فی نفوس كثیر من المسلمین عندما یسمعون الحكم الشرعی من الفقیه وخاصة للأحكام التی لیس فیها نص صریح یدل علیها – كاجتهاد من قبل عالم الدین – وتلك المرحلة جدیدة بالنسبة للمؤمنین ، لم یعتادوا علیها طوال مائتین وستین سنة ، وان كان الأئمة علیهم السلام یهیئون أصحابهم باستمرار للتأقلم مع مثل هذه الظروف فی السفر و الغزوات ، إلا أن المعصوم یظل قریب المنال ، من السهل الرجوع إلیه ولو فی أحلك الظروف.

وعلى إثر هذا الوضع الجدید فی زمن إمامة المهدی (علیه السلام) ، ولكونها مرحلة جدیدة ، لم یألفها الناس ولم یكونوا مهیئین نفسیاً لها ، حیث لا یلتقون بالمعصوم ولا یستطیعون الرجوع إلیه فی المستجدات من الأحكام والمسائل الإسلامیة .. لذا بدأ ترتیبات عصر الغیبة الصغرى ، عصر إمامة المهدی (علیه السلام) وقیادته للمجتمع بتعین سفراء ، وان لم یكن أمر السفارة غریبا على أذهان الموالین بعد أن كان نظام الإمامین العسكریین قائما على ذلك بشكل معتاد.

لذا بدا تهیئة الناس تدریجیاً لتقبل فكرة الغیبة الكبرى و احتجاب الإمام (علیه السلام) عن الأنظار ، من خلال ترتیبات ظروف الغیبة الصغرى ، وتعیین السفراء الأربعة:

· السفیر الأول : عثمان بن سعید العمری – بدایة عام (260هـ) ، ولمدة (5 سنوات).

· السفیر الثانی : ابنه محمد بن عثمان العمری ، ولمدة (40 سنة).

· السفیر الثالث : أبو القاسم حسین بن روح النوبختی ، ولمدة (21 سنة).

· السفیر الرابع : علی بن محمد السمری حتى عام (329هـ)، ولمدة (3 سنین).

ففترة الغیبة الصغرى دامت على التحدید تسعا وستین عاما وستة أشهر وخمسة عشر یوما. (1)

إن الهدف الأساسی من السفارة هو تهیئة الأذهان للغیبة الكبرى وتعوید الناس تدریجیا على احتجاب الإمام (علیه السلام) ، وفی نفس الوقت تهدف السفارة كذلك إلى القیام بمصالح المجتمع ، وخاصة القواعد الشعیبة الموالیة للأئمة علیهم السلام تلك المصالح التی تقضی بطبیعة الحال بانعزال الإمام واختفائه عن مسرح الحیاة .. منها:

أولا: أخذ الأحكام مباشرة من المعصوم بلقائه مباشرة (فی زمن عصر الأئمة علیهم السلام).

ثانیا: لقاء مباشر بفقیه أو سفیر للمعصوم (علیه السلام) (الفقیه أو السفیر یلتقی بالمعصوم (علیه السلام)) – الغیبة الصغرى -.

ثالثا: لقاء أو أخذ الأحكام من فقیه (الفقیه لا یلتقی بالمعصوم (علیه السلام)) – الغیبة الكبرى – .

فلولا هذا التدرج إذاً لاختلف الحال أو قد یؤدی الوضع إلى نتیجة سیئة ، فمثلا قد یؤدی إلى الإنكار المطلق لوجود المهدی (علیه السلام) ولكن هنا تنبع حكمة الأئمة علیهم السلام فی هذا التدرج.

بعد هذا التمهید البسیط عن الغیبة الصغرى وبدایة الغیبة الكبرى ، بخروج توقیع مقدس من الإمام المهدی (علیه السلام) یقول فیه: (بسم الله الرحمن الرحیم: یا علی بن محمد السمری: أعظم الله أجر إخوانك فیك ، فانك میت ما بینك وبین ستة أیام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فیقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغیبة التامة. فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره ، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً. وسیأتی لشیعتی من یدعی المشاهدة ، إلا فمن أدعى المشاهدة قبل خروج السفیانی والصیحة ، فهو كذاب مفتر. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلی العظیم)(2)

نصل إلى آخر جزء من المخطط الذی سار علیه الإمام المهدی (علیه السلام) للوصول إلى الغیبة الكبرى ، لیكون الإمام المهدی (علیه السلام) مذخوراً للیوم الموعود .. فقد كانت الغیبة الصغرى كافیة لاثبات وجود المهدی (علیه السلام) بما یصل إلى الناس عن طریق سفرائه ، كما أوجبت بكل وضوح أن یعتاد الناس على غیبة الإمام ویستسیغون فكرة اختفائه ، بعد أن كانوا یعاصرون عهد ظهور الأئمة علیهم السلام ، وإمكان الوصول إلى مقابلة الإمام.

وللعلم فان الإمام المهدی (علیه السلام) كان متدرجا فی الاحتجاب ، فهو أقل احتجاباً فی أول هذه الفترة ، وكلما مشى الزمان زاد احتجابه ، حتى لا یكاد ینقل عنه المشاهدة فی زمن السفیر الرابع لغیر السفیر نفسه ، وحینما كانت هذه الفترة مشارفة على الانتهاء، كان الجیل المعاصر لزمن ظهور الأئمة (علیه السلام) قد انتهى ، وبدأت تظهر أجیال جدیدة اعتادت غیبة الإمام (علیه السلام) وفكرة القیادة وراء حجاب ، وأصبحت معدة ذهنیا بشكل كامل لتقبل فكرة الغیبة الكبرى واحتجاب الإمام عن قواعده الشعبیة تماما.

وهذا واضح جدا فی التسلسل الطبیعی لتطور الأحداث ، والتدرج فی الاحتجاب ، ومع ذلك یواصل الإمام (علیه السلام) فی مسیرة المخطط العام وذلك بمساندة إنجاح مرجعیة الشیخ المفیــد (336هـ – 413هـ) باعتبارها أول مرجعیة موالیة للإمام (علیه السلام) بعد فترة الغیبة الصغرى ، وفی بدایة عهد الغیبة الكبرى ، حتى یصبح للقواعد الشعبیة المؤمنة ثقة فی المراجع وعلماء الدین.

فمن الحكایات المعروفة المشهورة(3): حكایة فتوى الشیخ المفید فی قضیة (المرأة المتوفاة وفی بطنها جنین حی) ثم إصلاح الفتوى من قبل الإمام (علیه السلام): یذكر أن أحد القرویین – فی العراق – وفد إلى مجلس الشیخ المفید و سأله عن امرأة حامل ماتت وجنینها حیّ فی بطنها ، هل تدفن هكذا ، أم تشق بطنها و یستخرج الطفل منها؟ فأجاب الشیخ: ادفنوها هكذا ، فخرج الرجل عائداً أدراجه وفی أثناء الطریق ، رأى فارساً مسرعاً یتبعه ، وحین وصل إلیه ترجل وقال له: یا رجل ، الشیخ المفید یقول: شقوا بطن هذه المتوفاة واخرجوا الطفل ثم ادفنوها. والتزم القروی بهذا التصحیح. وبعد مدة أخبر الشیخ المفید بما جرى ، فقال: إنه لم یرسل أحداً ولاشك إن الفارس هو صاحب الزمان (علیه السلام) وبالفعل التزم بیته لا یغادر حتى جاءه التوقیع من صاحب الأمر (علیه السلام): علیكم الإفتاء وعلینا تسدیدكم وعصمكم من الخطأ

فما كان من الشیخ المفید إلا إن عاود الجلوس على منبر الفتیا.

وهنا لابدّ من الإشارة إلى أن جل هدفنا من هذه الحادثة هو إثبات إن مراجع التقلید الأتقیاء والعلماء العظام الزاهدین ، كانوا على الدوام موضعا للعنایة الخاصة من قبل إمام العصر (علیه السلام) سواء كانت هذه العنایة والرعایة على شكل لقاء أو إظهار للتقدیر أو تقدیم للشكر أو الدعاء بالخیر أو الإرشاد والتوجیه أو تصحیح الاشتباهات والأخطاء إلى غیر ذلك .. كما أشار الإمام (علیه السلام) فی تصریح الكتاب الصادر عنه إلى الشیخ المفید – قدس سره- حینما قال: إنّا غیر مهملین لمراعاتكم ولا ناسین لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم البلاء واصطلمكم الأعداء(4)

القسم الثانی الظهور (الأصغر- الأكبر)

كما إن غیبة الإمام ولی العصر (علیه السلام) تنقسم إلى قسمین:

· الغیبة الصغرى.

· الغیبة الكبرى.

فان ظهور الإمام (علیه السلام) ینقسم كذلك إلى قسمین:

· الظهور الأصغر.

· الظهور الأكبر (الفجر المقدس).

ولإیضاح هذه الفكرة بشیء من التفصیل نؤكد:

إن الغیبة الصغرى وقعت والشیعة آنذاك كانت لهم صلة مباشرة بإمامهم المعصوم (علیه السلام) ، ولم یكونوا مهیئین للانقطاع التام عن الإمام (علیه السلام) .. ذلك أنهم لم یكونوا یستوعبون كیف یأتلفون ویجتمعون دونما رابطة مباشرة بإمامهم المعصوم (علیه السلام) ، ولا كیف یستنبطون الأحكام الإسلامیة والتعالیم الشرعیة وغیرها من عشرات الموضوعات التی یرجعون فیها إلى الإمام (علیه السلام) فی زمان حضوره ، وهی موضوعات علیهم أن یتعهدوها بأنفسهم فی زمن الغیبة.
=

إن أحداً لا یصل إلى الإمام (علیه السلام) فی غیبته الصغرى ، ولكن ارتباط الشیعة بالإمام (علیه السلام) كان بواسطة السفراء الأربعة ، ولئلا یقع الناس فی حیرة. فمن خلال مدة الغیبة الصغرى – سبعین سنة تقریبا – یكونون قد وطنوا أنفسهم على ذلك ، وولد جیل یكون مهیأ ذهنیا للدخول فی عصر الغیبة الكبرى.

والعكس صحیح من ناحیة أخرى ، فكما حدث لتدرج موضوع الغیبة من صغرى إلى كبرى لیعتادها الناس ویألفوها ، كذلك الأمر بالنسبة للظهور ، من ظهور أصغر إلى الظهور الأكبر (الفجر المقدس) ، ومعنى هذا إن الظهور الأصغر – رغم أن الناس لا یلتقون خلاله بالإمام بقیة الله (أرواحنا فداه) مباشرة – یشهد ظهور أحداث منطقیة متتابعة تعد مقدمة للظهور الأكبر (5) .. ویمكن تشبیه ذلك كما جاء فی بعض الروایات – وقد ذكرنا إحداها فی صدر الكتاب– بالشمس المنیرة ، ونحن نعلم بأن الشمس وقبل غروبها تماماً تبقى أشعتها لمدة معینة حتى تغیب تماماً ویحل الظلام الدامس ، وكذلك طلوع الشمس فانه لا یكون مباشرة بل یبدأ الخیط الأبیض ثم الفجر ثم نور باهت یزداد تدریجیاً حتى طلوع الشمس ساطعة فی السماء. وهكذا فان ظهور الحجة بن الحسن (علیه السلام) وهو كالشمس المنیرة فی سماء الولایة ، لابدّ أن یسبقه ظهور أصغر یهیئ الأرضیة للظهور الكامل لوجوده المقدس ، وهذا ما حصل فعلا فی غیبته ، إذ سبقت غیبته الكبرى ، غیبة صغرى ، ولا شك فان طریقة الغیبة الصغرى تختلف حتماً عن طریقة الظهور الأصغر ، حیث یشع نور الأفق بظهوره الأصغر متمثلاً بالقضایا التالیة (6):

أولا: نضج الأفكار وتقدم العلم والتكنلوجیا.

ظهرت مواهب علمیة عظیمة للبشریة واكتشافات محیرة ، حیث كان الإنسان من قبل سبعین عاماً تقریباً یركب الدواب فی أسفاره بینما الآن یستعمل السیارة والقطار والطائرة ، وفی تلك الأیام لم یكن لدیه هاتف أو مذیاع أو تلفاز أو لاقط أو نقال أو الحاسوب (الكمبیوتر) ، ولكنه الیوم یمتلك كل تلك الأجهزة ، ولم یكن لدى الإنسان هذه المنتجات النفطیة العظیمة كذلك استخدامه للفلزات والمعادن ، بینما یعیش الآن مستخدما النفط والمعادن على احسن وجه ، بل إن ما حققه الإنسان فی هذه المدة القصیرة من القرن التاسع عشر لا یمكن مقارنتها بجمیع اكتشافاته وعلومه وانتاجاته خلال عمر الحضارة كلها.

ولهذا نقول إن هذه الإختراعات والتطور الهائل فی عقلیة البشر هی مقدمة لظهور الحجة (علیه السلام) حیث أن الناس الذین یریدون بیعة صاحب الزمان (علیه السلام) لابدّ وأن تكون لهم المواهب والإمكانات العلمیة حتى یقتنعوا أو یفهموا المواضیع التی سیطرحها بقیة الله (علیه السلام) ، حیث أنه ینتقل من المشرق إلى المغرب فی طرفة عین ، كما جاء فی الروایات ( عن محمد بن علی (علیه السلام) انه قال: الفقداء قوم یفقدون من فرشهم فیصبحون بمكة وهو قول الله (علیه السلام) ]أَیْنَ مَا تَكُونُوا یَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِیعًا[ (7) وهم أصحاب القائم (علیه السلام)) (8) .
=

وكما هو معروف بأن معجزات الأنبیاء والرسل و الأئمة علیهم السلام یجب أن تكون مطابقة للفنون والعلوم فی زمانهم .. لذا فان الإمام المهدی المنتظر (علیه السلام) الذی سیظهر فی زمن تقدمت فیه العلوم التكنولوجیة والفنیة والتسلیحیة ، حیث تجوب الفضاء الأقمار الصناعیة ، ووصول اختراعات الإنسان لكوكب المریخ ووسائل الاتصالات السلكیة واللاسلكیة والإنترنت.. ستكون له (علیه السلام) معجزة من الباری (علیه السلام) ، حیث ذكرت الروایات بأنه إذا تكلم فی مكان ما فان الجمیع من سكان الأرض یسمعونه وبدون استخدام الأجهزة الحدیثة. (عن أبى جعفر محمد بن علی (علیه السلام) انه قال: الصیحة لا تكون إلا فی شهر رمضان لأن شهر رمضان شهر الله وهی صیحة جبرائیل إلى هذا الخلق ، ثم قال (علیه السلام) ینادی مناد من السماء باسم القائم فیسمع من بالمشرق ومن بالمغرب لا یبقى راقدا إلا استیقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعدا إلا قام على رجلیه فزعا من ذلك الصوت فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب فان الصوت صوت جبرائیل الروح الأمین.) (9) .

إن العلماء والمثقفین الذین یستعملون العقول الإلكترونیة والأجهزة المتطورة والأقمار الصناعیة وغیرها من أجل إیصال الصوت والصورة إلى بقاع العالم ، سیستسلمون إلى امكانیات صاحب الزمان (علیه السلام) الذی ینقل الصوت بدون أجهزة أو أقمار صناعیة ویجدونه إنسانا خارقا للعادة فیؤمنون به ویتبعهم الآخرون حتماً .

وذكرت الروایات بان الحجة (علیه السلام) سیمتطى السحاب للتنقل بین الأماكن والقارات: قال أبو عبد الله (علیه السلام) : (إذا أذن الإمام دعى الله باسمه العبرانی ، فأتیحت له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر قزع كقزع الخریف ، فهم أصحاب الأولویة ، منهم من یفقد عن فراشه لیلاً فیصبح بمكة ، ومنهم من یرى یسیر فی السحاب نهاراً یعرف باسمه وأسم أبیه وحلیته ونسبه ، قلت : جعلت فداك أیهم أعظم أیماناً ، قال: الذی یسیر فی السحاب نهاراً وهم المفقودون وفیهم نزلت هذه الآیه: ﴿أَیْنَ مَا تَكُونُوا یَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِیعًا[ ﴾ (10).

ومن الطبیعی أن أصحاب العقول والعلماء الذین صنعوا الطائرات والأقمار الفضائیة والصواریخ سیخرون صاغرین مستسلمین للإمام (علیه السلام) إثر مشاهدتهم إیاه یركب السحاب مع أصحابه متنقلاً بین الأماكن.

وتأسیساً على هذا ، فان مثل هذه الأفكار والمكتشفات العلمیة تمكن البشر من الوصول إلى إدراك معجزات الإمام بقیة الله كما لو إنها عمل طبیعی ، أو أن الله سبحانه وتعالى قد رشد هذه الأفكار العلمیة فی هذا الزمان تمهیدا لاستقبال الظهور الأكبر (الفجر المقدس ).

ثانیا : تعلق الناس بالإمام (علیه السلام) وتداول اسمه.

من الأمور التی أصبحت مألوفة لنا هذه الأیام – ونؤكد على هذه الفترة الزمنیة – أن نجد الكثیر من الناس حین یواجهون الأزمات ، ویجدون أنفسهم وجها لوجه مع الأحداث الكبیرة والخطیرة – تراهم – یظهرون اهتماماً متزایداً بقضیة الإمام المهدی (علیه السلام) وبعلائم الظهور ، ویبحثون عن المزید مما یمنحهم بصیص أمل ، ویلقى لهم بعض الضوء على ما سیحدث فی المستقبل القریب أو البعید.
=

كما نجد عدداً من الكتّاب والمؤلفین – فی هذه الفترة – یحاولون الاستجابة لهذه الرغبة الظاهرة ویبذلون جهوداً كبیرة لترسیم مستقبل الأحداث وفق ما تیسر لهم فهمه من النصوص الحاضرة لدیهم.

هذا ، ونلاحظ أن الكتب والأبواب الخاصة بالإمام المهدی (علیه السلام) كانت تقتصر فی القرون الإسلامیة الأولى على نقل الأحادیث بأسانیدها فقط ، ثم أضیف إلیها فی القرون التی تلتها عنصر المناظرة الكلامیة ، ثم أضیف عنصر العرفان والتصوف .. وفی الفترة الأخیرة صدرت فی الموضوع عشرات الكتب والمقالات فی معظم البلاد الإسلامیة ، وحاول عدد غیر قلیل منها إن یتخطى أسلوب السرد والمناظرة ویعتمد أسلوب التحلیل والفهم والإدراك، وهذا هو المطلوب.. ولا یقتصر الأمر على الشیعة فقط ، بل حتى الطوائف والمذاهب الأخرى. (11)

وبالقیاس فإن الشیعة فی هذا العصر أكثر اهتماماً وذكراً لصاحب الزمان (علیه السلام) من الجیل السابق ، ففی إیران – وقبل عقود قلیلة – لم تكن هناك جلسة واحدة من أجل دعاء الندبة (12) ، أما الیوم فقد غدت مجالس الدعاء عامرة ، وصارت المجالس كبیرة تنوّه باسمه المقدّس ، وألفت الكتب فی إثبات وجوده (علیه السلام) ، إلى جوار مظاهر أخرى یذكر فیها اسم الإمام (علیه السلام) كالاحتفال بیوم مولده الشریف ، قد صارت لافتة لأنظار الناس وشائعة حتى للعوام ومذكرة باسمه المقدس .. ألیس انتشار صفات وأسماء الحجة (علیه السلام) بهذا الشكل فی المدارس والمساجد والشوارع والجلسات وعند عموم الناس دلیلاً لبزوغ فجر نور بقیة الله فی الأرض ، و على هذا فإننا فرحون و مسرورون لأننا نعیش فی زمان بدا فیه ضیاء الفجر المقدس یشع على العالم ، آملین أن تتمتع عیوننا بجمال ظهوره النورانی.

ثالثا : العالم یبحث عن حكومة عالمیة موحده.

لو رجعنا إلى التاریخ لوجدنا أن تشكیل منظمة الأمم المتحدة أعقبت الحربین العالمیتین الأولى والثانیة .. فبعد أن رأى العالم الخسائر الهائلة بالأرواح البشریة التی تجاوزت الملایین ، فكر الزعماء بتشكیل مثل هذه المنظمة ، حتى إذا ظهرت مشاكل عالمیة تنذر بحرب بین الدول والشعوب ، تتدخل الجمعیة وتعقد جلستها لتتدارس هذه الحالة لتحول دون نشوب الحرب.

كذلك على صعید المسلمین لم یمر علیهم زمن مثل عصرنا تتشكل فیه رابطة العالم الإسلامی فی مكة المكرمة ، حیث یجتمع العلماء مرة واحدة كل عام .. بالإضافة إلى منظمات عالمیة كثیرة كجامعة الدول العربیة ، منظمة عدم الانحیاز ، و.. الخ.

إن هذه الأفكار وتشكیل المنظمات الدولیة ، تشیر إلى حاجة العالم إلى حكومة عالمیة واحدة حتى یستتب الأمن والاستقرار والعدل. ان وجود مثل هذه الجمعیات والإحساس بالحاجة إلى هذه المنظمات ألا یعنی هذا العمل وهذه الأفكار بالحاجة الماسة إلى حكومة الإمام المهدی (علیه السلام) العالمیة.. وهذا دلیل واضح على طلوع الفجر المقدس للظهور الأصغر .. إننا ننادی بأعلى أصواتنا یا صاحب الزمان – إن العالم فی انتظار حكومتك العالمیة.
=

تنویه:

عندما نقول: الظهور الأصغر ، لا نعنی تعیین وقت لظهوره المقدس – والعیاذ بالله – لأن ذلك لا یعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ولكننا نقول بأن هذه التجلیات والظواهر ربما تكون بدایة لظهوره المقدس ، وقد لاتكون كذلك ، وربما یعقبها ظلام دامس ، ذلك أن الأمر كله تحت الإرادة الإلهیة وان الله سبحانه وتعالى فعّال لما یرید

1 – موسوعة الإمام المهدی – تاریخ الغیبة الصغرى – محمد الصدر ص416

2 – تاریخ الغیبة الصغرى – محمد الصدر ص415 ، إعلام الورى ص417 ، جنة المأوى ص318

3 – رعایة الإمام المهدی u للمراجع والعلماء الأعلام – علی الجهرمی ص61

4 – الإحتجاج للطبرسی ، بحار الأنوار ج53 ص175

5 – معراج الروح – السید حسن الأبطحی ص57

6 – المصلح الغیبی – السید حسن الأبطحی ص144

7 – سورة البقرة (148)

8 – الغیبة للنعمانی ص213 ، كمال الدین وتمام النعمة ص654

9 – الغیبة للنعمانی ص170 ، غیبة الطوسی ص274

10 – الغیبة للنعمانی ص213 ، كمال الدین وتمام النعمة ص672 ، منتخب الأثر ص476

11 – وآخر ما وجدت من كتب فی هذا المجال لواحد من الجمهور: دراسة لـ: عبدالعلیم عبدالعظیم البستونی – وهو عبارة عن مجلدین: أحدهما بعنوان (المهدی المنتظر) والآخر بعنوان (الموسوعة فی أحادیث المهدی) .. وإن كان بالدراسة كثیر من الأخطاء والمغالطات وبعض الأفكار المتعصبة .. وهی من إصدار دار ابن حزم بمكة – وتوزیع مكتبة تهامة – الطبعة الأولى عام 1420هـ – 1999م.

12 – المصلح الغیبی – السید حسن الأبطحی ص147

شاهد أيضاً

النفس الزكية

النفس الزكية و التي تعرف بـالدم الحرام و النفس الحرام من الشخصيات البارزة التي ترتبط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *