لن تتحقق الديمقراطية في الشرق الأوسط والحل هو إحداث نهضة

يرى أستاذ الجغرافية السياسية في جامعة طهران الدكتور كيومرث يزدان بناه، عند الحديث عن مستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط بان تحقيق الديمقراطية في الجغرافية الجافة والصحراوية بدرجات حرارة تفوق الأربعين، يشبه نكتة صحراوية، أكثر من ان يكون واقعا سياسيا، إلى جانب هذه الجغرافية العنيفة والجافة، نواجه ظاهرة أكثر عنفا في دول المنطقة ألا وهي تغيير السلطات. فان ما نراه من تغييرات في السلوك السياسي في الشرق الأوسط، يظهر بان المنطقة وبهذا الأسلوب لن تبلغ مرحلة الديمقراطية، والحل النهائي لأحداث التغيير في المنطقة هو إحداث النهضة ليس إلا.

إليكم نص الحوار مع الدكتور كيومرث يزدان بناه:

س: بالنظر إلى الأنظمة السياسية السائدة على جل دول المنطقة، يبدو ان طريق تحقيق الديمقراطية مازال يواجه التحديات والمشاكل، فما هي أهم العراقيل التي تقف بوجه تحقيق الديمقراطية في المنطقة؟

ج: ان كل دول المنطقة وخاصة الشرق الأوسط العربي، تفتقد إلى سيادة النظام بالمعنى الصحيح للكلمة، وإنها تعيش في أسوار الطوائف والقبائل والعشائر والإيديولوجيات، وان البنية الجغرافية لهذه المناطق إلى جانب الفقر الثقافي، تمثلان عراقيل كبيرة، تقف بوجه تغيير الوضع الحالي المتآكل ولا تسمح لتغيير الأطر والهياكل السائدة على تلك الدول، أما النخبة في هذه الدول تعد من اكبر المتهمين في عدم نشر الديمقراطية في كل هذه المنطقة، حتى القليل من الدول التي تسير على درب الديمقراطية، فإنها تعيش أوضاعا مأساوية ونشاهد تراجعا ذا دلالات عن قواعد الديمقراطية الأساسية.

من ناحية أخرى، هناك مقاومة شديدة تبديها الصيغة المنهارة والممزقة للديمقراطية والهياكل غير المتجانسة للحكومات الاستبدادية غير المرنة، رغم انها تعيش في عصر الاتصالات والمعلومات، بسبب الممارسات السياسية لبعض التيارات الناشئة والأجيال المختلفة التي رفعت راية التحول؛ وعلى هذا فان كل من هذه الأنظمة، ومن خلال اللجوء إلى الأوليغارشية المحددة، تحاول الهروب من مسار التحول الاجتماعي السياسي.

من هنا وبغية الخروج من هذه الأزمة طويلة الأمد، تحاول عدد من الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، ان تقوم بإجراء الإصلاحات الظاهرية والسطحية في المجالات غير الديمقراطية وليس الإصلاحات العميقة في البنية السياسية، وبهذا تبث اليأس في التيار التقدمي كي لا يواصل الطريق، مع ان عملية الإصلاحات والتقدم في الشرق الأوسط، تضرب بجذورها في التاريخ، لكن مع الأسف ان الإصلاحات وبالرغم من كونها ضرورية ولا مفر منها، إلا أنها لم تترسخ ولم تتجه إلى الأمام، وفقا لما نشاهده اليوم في خضم الاضطراب في السلوك السياسي في المنطقة، فان هذه المنطقة لن تحقق  الإصلاحات التي تطمح إليها في مجال الديمقراطية والحل الأخير لتحقيق التطور هو إحداث النهضة ليس إلا.

س. نظرا إلى ان مختلف المجتمعات في دول المنطقة وبالرغم من اختلاف الثقافات والقوميات والمذاهب، لكنها لم تتمكن وفي بعض المكونات ان تصل إلى استيعاب مشترك لأسس الديمقراطية، وقد أصبحت العصبيات في بعض الأحيان سيدة الموقف، فهل غياب الفهم المشترك للديمقراطية ناجم عن عدم تطابقه وتكيفه مع الثقافات، أم انه ناجم عن توجهات السياسيين الذين يقودون المجتمعات نحو الاستبداد؟

ج. الحقيقة هي ان الديمقراطية في الجغرافية الجافة والصحراوية بدرجات حرارة تفوق 40 درجة تشبه نكتة صحراوية، أكثر منها كونها حقيقة وواقع سياسي، إلى جانب هذه الجغرافية العنيفة والجافة، فإننا نواجه ظاهرة أكثر عنفا في دول منطقة الشرق الأوسط الكبيرة ألا وهي تغيير السلطة. فان ظاهرة انتقال السلطة لم تحدث بسهولة في أي دولة من دول الشرق الأوسط وبعبارة أخرى فان النظرة الموروثة للسلطة، وبعناوين مختلفة قد سلبت سيادة النظرة النظامية من هيكلة هذه الدول. فهذه القضايا قد تركت تأثيرا كبيرا على نوع المقاربات الاجتماعية لشعوب الشرق الأوسط، وحولت هذه المنطقة إلى أكثر مناطق الدنيا تقلبا، في جانب عدم التمتع بالاستقرار السياسي والاجتماعي.

على هذا فان أبرز سمة للشرق الأوسط هي غياب الترابط بين السياسة والسلطة ومطالب الشعب الحقيقية وكذلك المصير التاريخي-السياسي المماثل، الذي يقف وراء ظهور أجزاء سياسية غير متناسقة، فهذا المصير المشترك والهموم المشتركة متأثرة إلى حد كبير بالأسباب الطويلة الأمد كدور الاستعمار والتقاليد والقيم التي تفتقد غالبا إلى رصيد عقلي مشترك، إذ تركت تأثيراتها المدمرة على البنى السياسية لدول الشرق الأوسط.

س. لماذا نشاهد اليوم في بعض المجتمعات مثل أفغانستان بأنه بعد مرور عقدين على هزيمتها، صعود التيارات المتطرفة فكريا وقوميا، وتسلمها السلطة، وكأن القوى العالمية التي تدعي الدفاع عن الديمقراطية، متفقة فيما بينها على هذه القضية؟

ج. ان أفغانستان تعد واحدة من عشرات الضحايا للديمقراطية الناقصة والفاقدة للرصيد وكذلك المكونات المستوردة وغير متناسقة مع الظروف المحلية لهذا البلد، إذ إلى جانب تغيير طبيعة السلطة التابعة أساسا، إلى السلطة الفاقدة للرصيد، تم رمي هذا البلد إلى جوف التخلف. فان التخلف والعودة إلى الماضي ومن خلال التيارات المتطرفة أي طالبان يعد ناتجا لثلاثة مكونات وهي ظهور حكام نتيجة الديمقراطية الناقصة الغربية في أفغانستان، والفساد الناجم عن عدم الكفاءة في ممارسة الحكم، وعجز الحكام السابقين، والاهم منها عدم إيمان الشعب الأفغاني بالديمقراطية. ففي أفغانستان لم تتم مأسسة البنى التحتية الضرورية لسيادة الديمقراطية، فاليوم على الشعب الأفغاني وبغية الحصول على اقل مستويات الحرية المدنية والسياسية والأمن الفردي والصحة النفسية، ان يحارب لسنوات ويقدم التضحيات، وقد لا يكون الطريق سهلا أمامه كما كان سابقا، علينا اعتبار موت طفل الديمقراطية الذي كان يمر بمرحلة النمو في أفغانستان، استمرارا للعبر التاريخية المريرة في الشرق الأوسط، إذ يبدو بأنه لا إرادة لدى شعوبها للتخلص من هذا الشؤم التاريخي.

س. هناك عبارة تفوه بها الرئيس بايدن بعد انسحاب القوات العسكرية من أفغانستان، وهي ان أمريكا لا يمكنها ان تقدم الديمقراطية لدول المنطقة، فهل هذه العبارة التي وردت على لسان سياسي تواجدت بلاده لسنوات في الشرق الأوسط اقتصاديا وعسكريا، يمكن ان تكون ملفتة للأنظار، إذ ان الديمقراطية المستوردة ليس بالأمر المنشود لدول المنطقة، وهل ستكون سياسة إسقاط الحكومات المستبدة عن طريق الحرب كما يبحث البعض عنها، سياسة استراتيجية؟

ج. ان عبارة بايدن حول دول المنطقة لهي حقيقة أعلن عنها، ان الديمقراطية لن تتحقق عبر الحروب وإراقة الدماء وبلغة القوة، بأي حال من الأحوال، إنني أرى بان هذه العبارة لبايدن تكفي ليستيقظ كل شعوب المنطقة باختلاف أعراقهم ولغتهم وأديانهم من السبات كي يقرروا مصير بلادهم. من جهة أخرى فان تصريحات بايدن تأتي في وقت، نشاهد منذ تواجد أمريكا في أفغانستان، بان الأمريكيين قد أعلنوا بان السبب الرئيس لتواجدهم في أفغانستان هو إقامة الديمقراطية وفقا لأسس الليبرالية الديمقراطية وتأسيس نماذج بناء الحكومة في هذا البلد الآسيوي. لهذا فان واشنطن وفي العقدين المنصرمين قد دفعت تكاليف باهظة كي تجري الانتخابات، هذا الرمز الجوهري للديمقراطية الأمريكية في أفغانستان رغم كل المنعرجات والمشاكل، غير ان تصريحات بايدن الأخيرة تدل على قضية جوهرية وعلى شعوب المنطقة ان تعي هذه الحقيقة، وهي ان الديمقراطية لن تتحقق من دون تطوير مستوى الشعوب والفهم الصحيح لمصيرها. من جهة أخرى فان الإنتخابات التي أجريت في أفغانستان في أربعة دورات تبين بان هناك توترات كثيرة قد سادت على أساس صيغة الديمقراطية السائدة، وهذه الظاهرة لم تتحول إلى عقيدة عامة وفي نهاية المطاف جربت أفغانستان تخلفا مريرا ومظلما وباهظ الثمن.

س. يرى الكثير من الخبراء بان الشرق الأوسط يحمل مفاهيم قد تصعب من مهمة إقامة الديمقراطية في هذه البلدان، أو يستحيل إقامتها، هل يمكن القول بان هذه النظرية منطقية بشكل أو بآخر؟

ج. لو تكونت الإرادة لدى الشعوب وشعرت النخبة بالمسئولية، فلا شك بأنه يتم توفير الأرضية لتحقيق التطور والعدالة، فان الشرق الأوسط وشعوبها ومع ان هناك طريق طويل أمامها، لم تصل إلى الأبواب الموصدة، وان المنطقة التي كانت مهدا للحضارات التاريخية والثقافات القديمة تمتلك القدرة للتقدم ويمكنها القيام بإصلاح مصيرها دون الاعتماد على النماذج المستوردة.

س. بعد تطوير الشبكة العنكبوتية يبدو ان أسس الكثير من المفاهيم مثل حقوق الإنسان وحقوق المرأة والأطفال واحترام الأديان ومختلف القوميات أصبحت حاجة عالمية، فهل يمكن ان يقدم ترسيخ هذه المفاهيم الحلول لما تعانيه المنطقة من المشاكل؟

ج. ان الشرق الأوسط غارقة حتى النخاع تحت سيطرة أحذية الاستبداد والتغطرس، قد أحيطت كل دوله بالعسكر. يتطلب العبور من هذه الأشراك الخطيرة، الآليات المؤثرة، وتعد تقنية التواصل والمعلومات أسلحة قوية تلعب دورا كبيرا في تطور شعوب المنطقة.

س. بشكل عام كيف ترى مستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط؟ وهل تعد سبل تحقيق الحكم الرشيد في بعض الدول في المنطقة حلما مستحيلا وبعيد المنال؟

ج. تواجه الديمقراطية في الشرق الأوسط الكثير من العراقيل إذ يتطلب اجتيازها دفع الكثير من التكاليف، فان عملية التطور في هياكل السلطة المغلقة بطيئة لدرجة قد يستغرق تحقيق الديمقراطية قرنا كاملا، وقد لا نشاهد إلا اقل التغييرات في البنى المغلقة للحكم في هذه المناطق، كما قد تواجه أي حركة قمعا شديدا، من جهة أخرى فان الدول العربية وبالرغم من أرضية التطور والرفاهية الاجتماعية، فلا توجد فرصة لديها لتحقيق التطور السياسي، أما في دول مثل باكستان وأفغانستان واسيا الوسطى فانه لا نرى أي تنمية في أي مجال، وقد تتدهور الأمور مقارنة بالسابق، بشكل عام فان الوضع السائد على الساحة السياسية في دول الشرق الأوسط، يشير إلى سيادة ظروف ذات طابع سلطوي ولا أمل للانتقال إلى ما هو مطلوب وايجابي.

المصدر: شفقنا العربي

شاهد أيضاً

شركات صينية تسرح آلاف العمال من مسلمي الإيغور

تتجنَّب المصانع الصينية التي تورد لشركتي Apple وNike وتصنّع منتجات أخرى تُباع بالولايات المتحدة، توظيف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *