لا غرابة.. فالأنبياء أصحاب غيبة كذلك

و لم تكن الغيبة أمراً جديداً في تأريخ المهمات الإلهية والرسالات السماوية، فقد كانت إجراءات الغيبة معروفة لدى أنبياء الله حين يداهمهم الخطر من قبل طواغيت زمانهم، وسنستعرض نماذج من غيبات الأنبياء اعتماداً على بعض الروايات…

و لم تكن الغيبة أمراً جديداً في تأريخ المهمات الإلهية والرسالات السماوية، فقد كانت إجراءات الغيبة معروفة لدى أنبياء الله حين يداهمهم الخطر من قبل طواغيت زمانهم، وسنستعرض نماذج من غيبات الأنبياء اعتماداً على بعض الروايات:

 

أولاً – غيبة إدريس عليه السلام

روى الصدوق بسنده إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: كان بدء نبوة إدريس عليه السلام أنه كان في زمانه ملك جبار وأنه ركب ذات يوم في نزهة، فمر بأرضٍ خضرة نضرة لعبد مؤمن من الرافضة(1) فأعجبته، فسأل وزراءه: لمن هذه الأرض؟ قالوا: لعبد مؤمن من عبيد الملك فلان الرافضي، فدعا به فقال له: امتعني بأرضك هذه، فقال: عيالي أحوج إليها منك، قال: فسمني بها أثمن لك، قال: لا أمتعك بها ولا أسومك عد عنك ذكرها، فغضب الملك عند ذلك وأسف وانصرف إلى أهله وهو مغموم متفكر في أمره، وكانت له إمرأة من الأزارقة، وكان بها معجباً.. إلى أن قال: فأشارت عليه بقتله وأخذ أرضه، فعارضه إدريس وحذّره، فهدده الجبار.. إلى أن قال في رواية طويلة الذيل .. فقالوا له: خذ حذرك يا إدريس فإنّ الجبار قاتلك قد بعث اليوم أربعين رجلاً من الأزارقة ليقتلوك فاخرج من هذه القرية، فتنحى إدريس عن القرية من يومه ذلك، ومعه نفر من أصحابه، فلما كان في السحر ناجى إدريس ربه فقال: يا رب بعثتني إلى جبار فبلّغت رسالتك وقد توعدني هذا الجبار بالقتل، بل هو قاتلي إن ظفر بي، فأوحى الله عز وجل: أن تنحّ عنه واخرج من قريته، وخلّني وإياه، فوعزتي لأنفذن فيه أمري..(2)

 

ثانياً – غيبة نبيّ الله إبراهيم عليه السلام

روى السيوطي في الدر المنثور عن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنّ أول ملكٍ ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة، بن كنعان وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختنصر، مسلمين وكافرين، وأنه طلع كوكب على نمرود ذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن ذلك، فقالوا: يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك، وكان مسكنه ببابل الكوفة، فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرج الرجال وترك النساء، وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلاّ ذبحه، فذبح أولادهم. ثم إنّه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلاّ آزر أبا إبراهيم فدعاه فأرسله فقال له: انظر لا تواقع أهلك، فقال له آزر أنا أضنّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها، ففرّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها ادر فجعلها في سرب، فكان يتعهدها بالطعام وما يصلحها، وإنّ الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا وولد إبراهيم، فكان في كل يوم يمر به كأنه جمعة والجمعة كالشهر من سرعة شبابه، ونسى الملك ذاك، وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إنّ لي ابناً وقد خبأته فتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ قالوا: لا فائت به، فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه فيقول: ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنّه بعير. وعن البقرة أنّها بقرة وعن الفرس أنّها فرس وعن الشاة أنّها شاة، فقال: ما لهؤلاء بد من أن يكون لهم رب.. إلى آخر الرواية.(3)

ثالثاً – غيبة نبي الله يوسف عليه السلام

فقد تحدّث القرآن الكريم عن قصة يوسف وغيبته حينما ألقي في البئر وأودع في السجن بسبب امرأة العزيز، حتى طالت غيبته عن أبيه وعن الناس سنين متطاولة، فأمكنه الله في الأرض فكان على خزائنها.
ورجع إليه أهله جميعاً ونصره الله نصراً عزيزاً، وقد يئس منه أبوه وظن أنه هلك ولم يرجع كما ظنّ الناس ذلك بعد غيبته.

 

رابعاً- غيبة نبي الله موسى عليه السلام:

فقد ذكر القرآن الكريم في قصصه عن موسى عليه السلام أنّ فرعون حينما طلب من يولد هذا العام ليقتله لأن على يد هذا الوليد يكون هلاك ملكه ونهايته، فإنّ الله تعالى أوحى إلى أم موسى أن تلقيه في اليمّ، حتى تكفلته امرأة فرعون، وغاب عن أهله سنين حتى رجع إليهم وهو رجلٌُ رشيد، ثم غاب عن قومه بعد قتل القبطي خوفاً من قتله والبحث عنه.
وهكذا كان لموسى غيبتان، أحدهما عند ولادته كما حدث للإمام المهدي عليه السلام، والثانية حين خاف القتل من قبل فرعون.
وبهذا شابه الإمام المهدي عليه السلام في غيبته غيبة موسى حين خاف طاغية زمانه وفرعون أمته، وكذا الإمام غاب عن أعين الناس خوف القتل من جبابرة زمانه وطغام قومه.
إلى هنا عرفنا، أن غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف أمرٌ قد تعارف في تأريخ الأنبياء، حيث الخوف من طواغيت زمانهم والتكذيب من قومهم ألجأهم إلى إخفاء أشخاصهم وحجبها عن أعين أعدائهم وهو أمر متسالم عند العقلاء، فالخطر المداهم للشخص لا يدفعه إلاّ بالاحتجاب باختلاف الوسائل والأساليب، والإمام اتّبع هذه الوسيلة درءً للخطر عن نفسه الشريفة وإتماماً
لرسالته الإلهية.

 

غيبة الإمام المهدي عليه السلام.. الأدوار والمراحل

بعد أن تيقّنا من ضرورة وقوع الغيبة وكونها لا تنفك عن تنفيذ المهمة الإلهية التي كلّف بها الإمام المهدي عليه السلام، وأنها العملية التدبيرية التي لابد من اتخاذها درءً للخطر الذي أحاط بالإمام عليه السلام منذ ولادته، بل منذ حمله، وذلك حين توجّس النظام من ولادته ومتابعة خطواتها عن طريق العيون التي بثها في بيت الإمام العسكري عليه السلام ومحاولة اختراقه دون الحصول على أدنى معلومةٍ تعين النظام على معرفة وجود الإمام المهدي عليه السلام.
وقد تقدّمت الإشارة في ملحمة الصدوق الروائية إلى إحباط محاولات السلطة في القبض على الإمام عليه السلام. إذن فقد بات من المؤكد أن تُتخذ تدابير الغيبة وإجراءاتها بما يضمن الإبقاء على دور الإمام المهدي عليه السلام محسوساً لدى الخاصة، أو ممارسة بعض مهامه على المستوى العام لدى شيعته عليه السلام بما يكفل سلامة وجوده والحفاظ على حياته الشريفة.
لذا فقد بادر الإمام الحسن العسكري عليه السلام إلى اتخاذ إجراءات الغيبة منذ ولادة الموعود، ومن ثم استمرت إجراءات الغيبة يزاولها الإمام المهدي عليه السلام كجزءٍ من مهمته الإلهية.
مرت إجراءات الغيبة هذه بمراحل مهمة يمكننا تأريخها كما يلي:

أولاً- الغيبة منذ حمله عليه السلام:

لم تبنْ أدوار الحمل على السيدة نرجس عليها السلام، ولعلها لم تكن تعلم أية آثار في هذا الشأن حتى اللحظات الأخيرة، إخفاءً من الله تعالى للوليد الموعود الذي لا تزال السلطة ترقب من الإمام الحسن العسكري عليه السلام ولادته منه عليه السلام.
فقد تكاملت الدلائل لدى السلطة بأن الثاني عشر القادم سيكون هو المهدي الموعود، والأخبار في هذا الشأن توفرت من فرق المسلمين تروي عن النبي صلى الله عليه وآله حتمية ولادته وظهوره ودكه لعروش الظالمين، ولم يبق أمام السلطة إلاّ اتخاذ اللازم لتطويق حالة الظهور.
أُحبطت محاولات السلطة بعد أن تم الحمل بطرقٍ إعجازية أخفت معها دلائله وفوّتت على السلطة إجراءاتها في شأن تصفية الإمام عليه السلام إبان ولادته، وسيتم لنا الوقوف على هذه الحالة الإعجازية في الرواية القادمة.

ثانياً- الغيبة إبّان ولادته عليه السلام:

أُحيطت ولادة الإمام عليه السلام بالسرّية التامة، وكان للحالات الإعجازية التي رافقتها أثرها البالغ في إخفاق جهود السلطة بإجراءاتها التعسفية في ملاحقة الوليد الجديد، وما كان للإمام الحسن العسكري عليه السلام من جهدٍ مبارك في هذا الشأن حين أخفى وليده الجديد، وفي الوقت نفسه أبلغت قواعده المؤمنة بحلول الوليد الموعود.
وتفاوتت إجراءات التبليغ بين محدوديتها من جهة وإبلاغها إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من جهةٍ أخرى، فمشاهدة الوليد أقتصرت على عددٍ “ناشطٍ ” من أصحاب الإمام عليه السلام يمكنهم تبليغ ما رأوه بروايته لمجاميع الشيعة المرتبطة بكل فردٍ منهم.
ومن جهته انتهج الإمام العسكري عليه السلام برنامجاً واسعاً بعيد المدى في تبليغه بولادة الإمام المهدي عليه السلام ولأكبر عدد من شيعته، وذلك بعد أن أمر أحد وكلائه بتوزيع لحمٍ وخبزٍ ـ كما في بعض الروايات ـ أو لحمٍ من عقيقة ولده محمد ـ كما في رواياتٍ أخرى ـ وهو أسلوب يبقي على سرية الولادة الجديدة وفي الوقت نفسه يضمن التبليغ لأكبر عددٍ ممكن من الشيعة حيث توزيع اللحم والعقائق عن الإمام ديل حي وشهاده حسية على ولادة الإمام تتوفر لدى قطاعات الشيعة الواسعة.
وبهذا استطاع الإمام العسكري عليه السلام ممارسة دور التبليغ بولادة ولده لقواعده الواسعة بأسلوب التكتم والسرية التامة، منجزاً بذلك مهمة التبليغ بأدق أساليبها مع السرية التامة التي تضمن سلامة الوليد الجديد.
ومن الروايات التالية يمكننا التعرف على ظروف الولادة المباركة، والوقوف على بعض الجزئيات التي رافقت ذلك والإجراءات المتخذة بهذا الشأن:
1ـ روى الصدوق بسنده عن محمد بن عبد الله الطهوي قال: قصدت حكيمة بنت محمد عليه السلام بعد مضي أبي محمد عليه السلام أسألها عن الحجة وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة التي هم فيها.
فقالت لي: اجلس فجلست، ثم قالت: يا محمد إنّ الله تبارك وتعالى لا يخلي الأرض من حجة ناطقة أو صامتة ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام تفضيلاً للحسن والحسين وتنزيهاً لهما أن يكون في الأرض عديلهما إلاّ أنّ الله تبارك وتعالى خصّ ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن عليه السلام كما خصّ ولد هارون على ولد موسى عليه السلام وإن كان موسى حجةً على هارون والفضل لولده إلى يوم القيامة، ولابدّ للأمة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلص فيها المحقون كيلا يكون للخلق على الله حجة، وأنّ الحيرة لابد واقعة بعد مضيّ أبي محمد الحسن عليه السلام.
فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن عليه السلام ولد؟
فتبسمت ثم قالت: إذا لم يكن للحسن عليه السلام عقب فمن الحجة من بعده؟! وقد أخبرتك أنه لا إمامة لأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام.
فقلت: يا سيدتي حدثيني بولادة مولاي وغيبته عليه السلام
قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس، فزارني ابن أخي فأقبل يحدق النظر إليها فقلت له: يا سيدي لعلك هويتها فأرسلها إليك؟ فقال لها: لا يا عمة ولكني أتعجب منها، فقلت: وما أعجبك منها؟ فقال عليه السلام: سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، فقلت: فأرسلها إليك يا سيدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي عليه السلام.
قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن عليه السلام فسلّمت وجلست فبدأني عليه السلام وقال: يا حكيمة ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمد قالت: قلت: يا سيدي على هذا قصدتك، على أن أستأذنك في ذلك، فقال لي: يا مباركة إنّ الله تبارك وتعالى أحبّ أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً.
قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزينتها ووهبتها لأبي محمد عليه السلام وجمعت بينه وبينها في منزلي، فأقام عندي أياماً، ثم مضى إلى والده عليهما السلام ووجّهت بها معه.
قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن عليه السلام وجلس أبو محمد عليه السلام مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده، فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفي، فقالت: يا مولاتي ناوليني خفّك، فقلت: بل أنت سيدتي ومولاتي والله لا أدفع إليك خفي لتخلعيه ولا لتخدميني، بل أنا أخدمك على بصري، فسمع أبو محمد عليه السلام ذلك فقال: جزاك الله يا عمة خيراً، فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال عليه السلام: لا يا عمة بيتي الليلة عندنا، فإنه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عزوجل الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها، فقلت: ممن يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئاً من أثر الحبل؟ فقال: من نرجس لا من غيرها.

تشابه الحالات.. تشابه المهام

على أنّ هناك حالات ظهرت على الإمام المهدي منذ حمله إلى ولادته تشابه الحالات التي ظهرت لدى عيسى عند ولادته كذلك.
ولعل تشابه الصفات يوحي إلى تشابه المهمة بين الوليدين، فالروايات الصحاح التي رواها الفريقان تؤكد أن ظهور الإمام المهدي عليه السلام يتزامن مع نزول عيسى عليه السلام وسيصلي عيسى خلفه، أي أن الله تعالى ادّخر عيسى لمهمة المهدي الإلهية، وبهذا فإنّ التشابه بينهما سيكون سبباً في التشابه بين المهمتين، فإذا صدقنا ما في عيسى عليه السلام فإنّ ما في المهدي من إعجاز سيكون أمراً مقبولاً، أي أن حالات عيسى عليه السلام الإعجازية حجةً علينا في قبول الحالات الإعجازية لدى الإمام عليه السلام عند ولادته:
1ـ ذكرت الرواية السابقة أن السيدة نرجس عليه السلام لم تعلم بالحمل إلاّ قبيل الولادة بلحظات، وأهل الأخبار ذكروا أن مريم عليه السلام لم تر الحمل إلاّ بسبع أو تسع ساعات، فلم تظهر عليها آثاره.
أخرج ابن عساكر عن الحسن قال: بلغني أن مريم حملت لسبع أو تسع ساعات، ووضعته من يومها. وعن ابن عباس قال: حين حملت وضعت.(4)
2ـ إنّ السيدة حكيمة حينما قرأت على السيدة نرجس سورة (إنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) قالت: فكان الجنين يقرأ معي، وكان عيسى عليه السلام في بطن أمه يكلمها.
أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن مجاهد قال: قالت مريم:
كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبّح في بطني وكبّر وأنا أسمع.(5)
3ـ ذكرت الرواية أن المهدي عليه السلام عند ولادته أودعه أبوه لدى إحدى الطيور التي كانت على رأسه وأمر أحدها أن يأخذه ويودعه فطار به إلى جو السماء واتبعه سائر الطير، ثم بيّن الإمام عليه السلام أن هذا روح القدس الموكّل بالأئمة عليه السلام ، في حين نرى في قصة عيسى عليه السلام وعروجه إلى السماء أن الله كساه ريشاً فطار مع الملائكة.
قال القرطبي في تفسيره: أما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة.(6)
4ـ إن غيبة عيسى عليه السلام إذا أذعنّا بها وصدقناها فإنّ غيبة الإمام المهدي عليه السلام ستكون أمراً ممكناً حيال تشابه مهمتي السيدين عليهما من الله السلام التام.
5ـ المعاناة التي لاقتها السيدة نرجس في حملها وإخفاءها لسرّ الوليد الموعود وما جرى عليها من رجال السلطة بالتضييق عليها وحبسها ومطالبتها إخبارهم بأمر الوليد ومن ثم ثباتها وصمودها أمام هذه المحن دون أن تحصل السلطة على أدنى اعتراف منها، وبذلك شاركت السيدة نرجس ولدها المهدي في حفظ المهمة الإلهية وإنجاحها، فانّ السيدة مريم عليها السلام كذلك لاقت من بني إسرائيل ما لا تحتمله أية امرأة عفيفة طعنوا فيها واتهموا عفتها وهي لا تزال صامدة أمام حملات هؤلاء الذين وصفهم الإمام الصادق عليه السلام بأن مريم لم تجد من قومها رجلاً رشيداً، كل هذا لم يثنها عن إتمام مهمتها والمحافظه على رسالة السيد المسيح وإيصالها إلى غايتها المرجوة.

 

ثالثاً- الغيبة بُعيد شهادة والده عليهما السلام:

تعد هذه المرحلة من أهم المراحل في تأريخ الغيبة، فهي المرحلة الحاسمة التي تحددت من خلالها معالم غيبة الإمام عليه السلام ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين(7) حسب معالم كل مرحلة، وبالتالي قابلية الاتصال بالإمام عليه السلام في كل منهما وإمكانية قواعده من ذلك.

المرحلة الأولى: الغيبة الصغرى

فقد عُرفت مرحلة غيبة الإمام منذ ولادته حتى آخر سفير من سفرائه عليه السلام بالغيبة الصغرى، وتتحدد معالم هذه الغيبة بما يلي:
1ـ بُعيد ولادته عليه السلام لم يظهر إلاّ إلى بعض خاصة والده الإمام الحسن العسكري عليه السلام، فقد حدد الإمام العسكري إمكانية مشاهدته على عدد محدود جداً كما سيأتي في محله.
فقد نوّع الإمام العسكري عليه السلام مجالات مشاهدته حسبما تقتضيه الظروف وقابلية الشخص المشاهِد، فمنهم من دعاه الإمام عليه السلام لمشاهدته، ومنهم من زار الإمام العسكري ووجد عنده الإمام المهدي عليه السلام وكلّمه مباشرة وجرى بينه وبين الإمام المهدي الحديث، ومنهم من كتب الإمام العسكري عليه السلام كتاباً يخبره بولادة الموعود، ومنهم من حدث لديه علمٌ بالولادة بما وصله من الإمام العسكري عليه السلام بعض الخبز واللحم، كما في الرواية التالية.
وهكذا فإنّ غيبة الإمام المهدي منذ ولادته تكفّل بترتيبها الإمام الحسن العسكري عليه السلام واشترك في رؤيته عدد يعتد به من خاصّته.

الهوامش:
[1] لقب المؤمنين الذين رفضوا دين الملك وتبعوا إدريس عليه السلام وصدّقوا برسالته.
[2] إكمال الدين وإتمام النعمة: 1/ 129.
[3] الدر المنثور للسيوطي: 7/ 303.
[4] تفسير الدر المنثور: 16/ 497.
[5] تفسير الدر المنثور: 16/497.
[6]تفسير القرطبي:4/ 100.
[7] بحث المؤلف تفاصيل المرحلة الثانية في الفصل الثاني من هذا الكتاب ( الانتظار).

المصدر: http://www.erfan.ir/arabic/90009.html

شاهد أيضاً

غیبة لابدّ منها

غیبة مهدی هذه الامة غیبة لابدّ منها، لانه مهدی هذه الامة، ولان وعد الله سبحانه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *