الخامس عشر من شعبان رحلة في رحاب مقام الامام المهدي (ع) في كربلاء

إنها وردة الحلم تتفتح عن صباح تغمد بهدى النبوة.. بخاصة عندما ينتهك الغدر العالمي فضاءات الروح الإنسانية على مر العصور ويقلدها من جمرات الألم والقلق والترقب أكثر مما يشظيه بركان من حممه فوق صدر الأرض اليانعة والمزهرة باخضرار الآمال..

 

يتسع الدهر بيديه السوداويين ليغطي شمسا تضيء على بذرة المستقبل التي لم تزل تنتشر بسماء أعاقتها الغيوم الملبدة وبددتها عن توجهات الخصب واندلاع خصوبة الحياة..  فبعدما تقطعت أوصال الزمن إلى سنوات أو قرون أو عصور ، فمن يحمل الصدى السماوي فوق راحتيه مخترقا جدار الزمن السميك.. كيف تذوب الروح في إناء التسابيح.. والى متى تبقى النفس البشرية تواقة لمعانقة شعاع النور الإلهي.. أسئلة كثيرة تحرث الوجدان وأجوبة تحتاج من يرويها لتكون أثمارا تأتي  أكلها.. أسئلة تتقرفص بالعقل أو تخطو أمام القلب.. وكالة (عين العراق نيوز ) شدت الرحال لتنطلق في رحاب الإمام المنتظر(ع).. رحلة تذوب فيها الفواصل بين الماديات والروحانيات متخذة من مقام الإمام صاحب الزمان(ع) علامة دالة ومسترشدة بعبق الكلمة الصادقة المؤمنة…

ولي الأمر القائم والعدل المنتظر 

يقول الشيخ جاسم الطائي لوكالة /عين العراق نيوز/  “ان فكرة المصلح والمنقذ قد آمنت بها حتى بعض الأديان والعقائد الوضعية إضافة إلى الأديان السماوية والحديث عن لإمام المهدي(ع) يعني البشارة باندحار الظلم على وجه الأرض واشراقة تباشير النور والأمل نحو حياة حرة كريمة لا وجود فيها لظالم  ولا مظلوم، انه الأمل الذي عشقته البشرية على مر تاريخها الطويل، وتخيلته الفلاسفة فرسموا لنا لوحات من تلك الخارطة المعطاة، و(جمهورية افلاطون) واحدة منها، فالإمام الحجة يعني  المستقبل المنشود والحصاد الثر والخير العميم لكل البشر،
وفكرة الإمام المهدي من الأفكار الدينية التي تهذب النفوس وتعطينا دفقا جديدا من الحياة فهي لا تمنع من تقدم حضاري في سلم التطور ولاتدعو إلى الاستكانة والخذلان كما يتصورها البعض بل على العكس فهي اليوم المثال المشرف نحو عالم أفضل مليء بالقيم والعدل والنبل والسلام وعندما نستحضر بعض اللمحات القدسية عن كيفية ولادته وحياته وصيرورة غيبته والأسرار الكامنة وراء وجوده غائبا حاضرا بيننا وعدم رؤيته بالعين المجردة إلا لمن أوتي يقينا وإيمانا، لانريد ان نروج أو نبرر لفكرة حقيقة  وجوده بل نبحث في إمامته المستمرة القائمة وانه ولي الأمر القائم المؤمل والعدل المنتظر”..

وميض الفرح بين الذاكرة والحاضر

يحتفل الكربلائيون بذكرى ميلاد الإمام المهدي المبارك كل على طريقته الخاصة ومن تلك الاحتفالات ان الجماهير الكربلائية نساء ورجالا.. صغارا وكبارا يذهبون إلى (مقام المهدي) المطل على نهر الحسينية عصرا محملين بأنواع المأكولات والمشروبات وبالشموع وكرب النخيل فينتشرون على طول جرفي النهر عند المقام وهناك يوقدون الشموع ليلا ويضعونها على كرب النخيل ويدعونها تنساب على مياه الفرات في نهر الحسينية والفرحة تغمرهم ويسهرون تلك الليلة حتى الصباح وتسمى (ليلة المحية) اعتقادا منهم ان الإمام المهدي(عج) يظهر في هذه لليلة لذلك فهم مهيئون لاستقباله بأناشيدهم الدينية وأغانيهم ومرحهم، ويتوزعوا جماعات ليتناولوا ما جلبوه من طعام خاصة(الدولمة) ويتبادلون الطعام بينهم وينثرون النقود والحلوى  وغيرها على الرؤوس ، أما الأطفال والصبيان فيضربون على (الدنابك) ويرددون أهزوجتهم الخالدة (الماجينة) التي تقول في بعض كلماتها..
ماجينه ياماجينه .. حلي الجيس وانطينه
تنطونه لو ننطيكم .. بيت الله انوديكم
هذا عند المقام المهدي، أما في مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس (ع) فالرجال والنساء يزدحمون على الضريحين يقرؤون الزيارة الخاصة بالإمام المهدي مبتهلين إلى الله ان يعجل بظهوره ويحمي العراق وأهله من حبائل الأعداء.

التاريخ يحكي عن جوهرة الأيام

إن ليلة النصف من شعبان هي ليلة مباركة بكل ماتحتويه من مظاهر دينية وإلهية وان ليلة ولد فيها قائم آل محمد لابد أن تكون ليلة ليست كأخواتها، فالزيارة والاداءات الدينية فيها ستكون على قدر مهم من المناجاة والتوجه إلى نور الخالق، هذه الليلة لها نافذة مشرعة على التاريخ البشري، تدخل منها الكثير من نفحات الأسئلة التي حملناها الى فضيلة الشيخ محمد الاسدي فقال/عين العراق نيوز/ “ان ليلة النصف من شعبان ليلة عظيمة القدر جليلة الأثر حسنة الذات كريمة الصفات وان النفوس المؤمنة المطمئنة تشتاق إليها وترغب وترهب في كل لحظة منها، وتتفرغ وتتوسل وتبتهل حتى مطلع فجرها فعن المحمود الأحمد (ص) في فضل هذه الليلة قال ابو موسى الأشعري (ان الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه الا لمشرك او مشاحن) وعن الإمام علي (ع)قال : قال رسول الله (ص)، (اذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها الى ان قال الا من مستغفر لى اغفر له، الا من مسترزق فارزقه  إلا من مبتل فاعافيه) إلى آخر الحديث.
وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) قال:  (سئل الامام الباقر عن فضل ليلة النصف من شعبان فقال: هي أفضل الليالي بعد ليلة القدر فيها  يمنح الله العباد فضله ويغفر لهم بمنه فاجتهدوا في القربى إلى الله تعالى فيها فإنها ليلة آل الله عز وجل على نفسه أن لا يرد سائلا فيها).
جنة على الارض

نحن في رحلتنا نطوي الأرض طيا وكأننا في سباق نحو أعالي الروح.. فنجد أنفسنا على مقربة من بناية (مقام المهدي) وأول ما يبهر العين ويدعوها للتأمل والتيقن من اجل فك طلاسم الدهشة هو ذلك البناء الخارجي الذي تمتد واجهته بمسافة تقارب /50 / مترا وبارتفاع /4 / امتار، ومزخرفة بنقوش إسلامية تسر الناظرين حيث أخذت الطابع المتعارف عليه في بناء المراقد الإسلامية الذي يعد الطابوق الأزرق المخضر والكاشي الكربلائي المزخرف اهم لبنة في بنائه.. هذه الواجهة التي تقابل الجنوب وكأنها تنظر بفخر إلى مرقد الإمام الحسين(ع) حتى أنها في جزئها الغربي تقوست قليلا فيعتقد الناظر أنها تحاول النظر إلى بوابة المرقد الحسيني التي تطل على شارع (السدرة) من خلال بوابة صنعت  من الحديد المصمم على هيئة هندسية غاية في الدقة والجمال تسمى (باب الفرات) ، وربما جاءت هذه التسمية من الباب الأخرى التي تقابلها في الجانب الخلفي إذ تطل على نهر الحسينية .. فهل أمنيتها في ان يتدفق الماء من النهر عبرها ليصل الى معسكر الحسين(ع) عبر شارع السدرة فيروي العطاشى..؟
هذه البوابة أحيطت من الجانبين ومن الأعلى بالكاشي الكربلائي ذو الزخارف الإسلامية كتب في أعلاها الآية القرآنية (وأخرى تحبونها ونصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) اجل، البشارة إلى ارتواءات الروح العطشى.
وفي الركن الآخر من الواجهة تبزغ بوابة أخرى رديفة لباب الفرات من حيث التصميم والقياسات تسمى (باب السلام) وهي تجاور القنطرة التي تحنو فوق نهر الحسينية بساحليه الشمالي والجنوبي اللذين يشهدان في كل عام أروع كرنفال في العالم للحب والوفاء والإيمان والعطاء، أروع كرنفال للطقوس الشعبية التي غالبا ما تمتزج مع الطقوس الدينية يعبر من خلالها عن وحدة شعبنا المؤمن، المسلم وهو يحتشد بالملايين من كل بقاع عراقنا الحبيب ليوحدوا بنيانهم الروحي الإنساني بعيدا عن الحقد والطائفية البغيضة التي زرع بذرتها الحاقدين الخارجين عن ملة الإسلام الحنيف، انه أروع مساء ذلك الذي يتوهج بضياء المراسيم الإيمانية، مساء الخامس عشر من شعبان تلك الليلة التي باركها الله بمولد الإمام صاحب الزمان(ع) والتي عرفت عند العراقيين بـ (المحية).

وما بين باب (السلام) وباب (الفرات) توجد على الواجهة خمسة تصاميم على شكل قبة اسلامية وقد تزينت بالكاشي الكربلائي المنقوش بزخارف نباتية المعالم يضفي عليها اللون الازرق المخضر أبهة تثير في النفس خشوعا متوهجا، وقريب من هذه التصاميم باتجاه باب (السلام) توجد بوابة كبيرة الحجم وقد غارت في حجر داخل الواجهة بمسافة 1.5متر تمثل المدخل الرئيس للمقام .. بوابة مكونة من مقطعين من الخشب الصاج المنحوت عليه تشكيلات هندية اسلامية مغطاة بالزجاج وجزؤها الاعلى مقوس قليلا كأنه محدب مكونا من بقية الاضلاع تشكيلا يوحي وكأنه عمامة اسلامية وفي اعلاها خطت الآية القرآنية (انما يريدون ليطفئوا بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون).
ومن تحت البوابة الوسطى مررنا فوجدنا انفسنا داخل(بهو) يمتد بمسافة ثلاثة امتار من دخولنا، وقد تغطى بالمرمر وعلى يسار البهو كانت مكتبة من الخشب الصاج امتلات رفوفها بالكتب من مختلف العلوم والمعارف، فادركنا ان (المقام) هو ايضا مكان للعلم والتعلم فالكتاب هو الذي حفظ للامة الاسلامية التي تمثل الامة العربية تاجها، حضارتها وتراثها وعمقها الحضاري . 
وفي منتصف البهو يقع على اليمين محراب الامام المهدي(عج) اذ يمكن الدخول اليه من خلال فتحة في الجدار على هيئة باب من الخشب الصاج، وفي كل جانب من جوانبها ارتفع عمود من الخشب لصق الجدار محفر من اعلاه بما يشبه اعمدة البيوت القديمة، وفي اعلى الباب يوجد تصميم على شكل قوس احاط به العديد من التقطيعات الزجاحية الملونة، ومن هنا يمكن الدخول الى اقدس بقعة في هذا المكان وهو (المحراب) الذي يشير الى مكان وقوف الامام صاحب الزمان(ع) حملنا خشوعنا وارتباكنا الى باحة المحراب فاذا به ذا ارضية من المرمر الذي انعكست عليه اضوية الشموع المتلألئة في كل ارجاء المحراب، وعلى ارتفاع مترين كانت امامنا الجدران وقد غلفت بالمرمر الاخضر، وفوق هذا الارتفاع يوجد شريط على طول الجدران الاربعة بارتفاع 70 سنتمترا كتبت عليه آيات من القران الكريم، اما السقف كان كمعجزة من التصميم حيث الزجاج والمرايا المتداخلة مع بعضها بتشكيلات هندسية مشكلة مقرنصات توزعت مابين عدة تجويفات في الحائط وكان الواحد منها فضاء لنصف قبة اسلامية فتتلاقى في اسفلها وسط الحرم حتى تكون دائرة تصعد على مساحتها قبة الحرم وقد نقشت ايضا بالزجاج والمرايا بما يشبه قبة الامام الحسين(ع) وعلى محيط القبة من الداخل كتبت اسماء الأئمة الإثنا عشر المعصومين، وعلى يمين الباب التي دخلنا منها تصميم المحراب، وهنا يقف المرء ساهما خاشعا يرتل الآيات والتسابيح وهو ينظر الى محراب المهدي (ع).
والمحراب عبارة عن تصميم طوله 1.5مترا وبارتفاع 3 امتار وعلى بعد 30 سنتمترا عن الحائط الملاصق له مبنى من المرمر ذي اللون القريب من الاخضر وبارتفاع نصف متر من الارض يوجد فيه باب صغيرة ذو مقطعين صنعت من الفضة الخالصة ومحفرة بنقوش اسلامية يخرج من بين تحفيراتها العلوية لون اخضر وقد احيطت هذة الباب باطار من الذهب الخالص وفي اعلى الباب خطت عبارة(اللله اكبر) وفي اعلى تصميم المحراب وجد تصميم على شكل دائرة من الذهب الخالص كتبت عليها آيات من من سورة الصافات يعلو نقوس الحافة العليا للمحراب.
خرجنا من المقام  واذا بنا نقف عند ممر ضيق بطول 7 امتار وبعرض 2 متر وهو الممر الداخلي للمقام حيث واجهنا مباشرة جدارا مبنيا من الطابوق الكربلائي الازرق المخضر والمكون من تركيبات مكونة فتحات فيبدو الجدار كمشبك تقدمنا نحوه والقينا نظرة الى ما وراءه، فاذا بنا نرى شرفة رائعة تطل على نهر الحسينية .. ثم سرنا في الممر الطويل الذي راح يوصلنا الى باب من الحديد تجاوزناها فوجدنا انفسنا وسط (صحن)وقد توزع على جانبيه خمسة عشر ايوانا لاستقبال الزائرين ومن ساحة هذا الصحن يمكن رؤية القبة التي تعلو المكان، وقد ارتفعت بشموخ حيث تزينت بسورتي (الكرسي والدهر) اللتين خطتا على الواجهة الخارجية للقبة، وفي نهاية الصحن يوجد بناء مؤثث وعرفنا انه (مضيف) تقام فيه المآدب في اوقات المناسبات الدينية .. خرجنا من مقام المهدي (ع) بعد ان كنا في رحلة استكشفنا من خلالها عظمة العراق بمراقد ومقامات الأئمة الاطهار.. ثوابت وشوامخ هذه الارض المعطاء

المصدر : موقع عین العراق

شاهد أيضاً

الإمام المهدي خليفة الله في أرضه(عجّـل الله فرجه)

انّ النعوت التي وردت في وصف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) كثيرة. وأردت أن أستطرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *