النوم مع الشيطان (8) الفرع السوري لتنظيم الأخوان المسلمين شارك في تأسيس القاعدة

في 26 أكتوبر العام 1988، تم اعتقال هاشم عباسي في نيوس، ألمانيا. وكان عباسي جزءا من خلية للمتشددين الإسلاميين تضم صهره وزعيم الجماعة، محمد حافظ دلقموني، وكانوا يخططون لتفجير خمس طائرات مدنية. على الرغم من أن عباسي وغيره من المتآمرين كانوا وراء تفجير بانام 103، كانت الفرضية الأولى للمحققين هي أنه لا يزال هناك شيء للقيام به.. اليوم نحن نعرف أن هذا كان خطأ. فنحن سمحنا بإنشاء خلية هامبورغ .

11 سبتمبر لم شمل الإخوان المسلمين السوريين، واحد من الشخصيات الرئيسية في الجهاز الألماني للأخوان، مأمون دركزنلي، فر من سوريا إلى ألمانيا بعد معركة حماة. وعلى الرغم من نفي دركزنلي علمه المسبق بـ 9/11، فقد اعترف بأنه قدم المساعدة لثلاثة من خاطفي الطائرات. وقال لي مقرب من دركزنلي انه شارك في الهجوم على مدرسة حلب في العام 1979.
محمد حيدر زمار هو مفتاح آخر لأحداث 11 سبتمبر، ومن المحتمل انه رتب لتدريب الخاطفين في مخيمات بن لادن الأفغانية. ثالثا، عبد المتين – تاتاري، وهو كان يدير شركة تابعة للإخوان المسلمين في هامبورغ. وكان نجل تاتاري قريبا جدا من محمد عطا وأعضاء خلية هامبورغ .

وربما هناك اثنان من الإخوان السوريين قدموا المساعدات للخاطفين في اسبانيا. والتفاصيل هي خارج نطاق هذا الكتاب، ولكن النقطة هي أنه على الرغم من أن واشنطن تكره الأسد كان عليها أن تعترف أن معركة حماة وحلب لم تكن مشكلة محلية كما كان يقال.

تماما كما تغيبنا عن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، تغيبنا عنهم في الكويت. كنا نبحث عنهم بطريقة أخرى ولم نر خالد شيخ محمد، واحد من أغرب المسلمين واسمه مرتبط  بأحداث مركز التجارة العالمي والبنتاغون.

الأخوان في الكويت وعتبة القاعدة

ولد خالد شيخ محمد في الكويت في العام 1965 نجل اثنين من المهاجرين من بلوشستان، احدى محافظات باكستان. انتقل والداه إلى الكويت أملا بالاستفادة من الطفرة النفطية. وبدلا من ذلك، انتهى بهم المطاف في حفرة الفحيحيل، حيث يعامل الناس هناك بالطريقة نفسها التي يعامل بها سائر الآسيويين الذين يعيشون في الخليج (الفارسي). لاحقا أصبح والده مسؤولا عن المسجد، وأمه، كانت تغسل الجثث، و احد إخوة خالد شيخ محمد انضم إلى الإخوان في 1980، عندما كان في الجامعة. ومن ثم انضم خالد شيخ محمد.

كان الانضمام إلى منظمة الإخوان المسلمين في الكويت يؤدي إلى عقوبات، تماما كما كان في المملكة العربية السعودية، على الرغم أنها شجعت على ذلك. وعندما اضطر ياسر عرفات إلى مغادرة مصر بسبب ارتباطه بالإخوان، رحب به الكويتيون والاخوان الفلسطينيين الأخريين.

وبطبيعة الحال، كان تنظيم الأخوان المسلمين في الكويت خارج رادار واشنطن. مثل حماة واغتيال السادات، حيث اعتبرت أن تلك هي مشاكل محلية ولا تثير القلق، مما سمح للإخوان الكويتيين بترتيب أمورهم كما يريدون. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الشيعة الكويتيين متعاطفون مع إيران، ما يعني أن ثلث سكان الكويت يدعون للقلق من الإخوان.

وفي العام 1983، عندما قدم خالد شيخ محمد طلبا للحصول على تأشيرة للدراسة في كلية شوان في مورفريسبورو بولاية نورث كارولينا، أحد لم يعر ذلك أي اهتمام. وهو لم يكن أول شرق أوسطي يأمل في الحصول على درجة البكالوريوس في الهندسة من الولايات المتحدة، ولا أتوقع أنه كان يسعى للعودة والعمل في صناعة النفط. (نفس الشيء حدث في الخرطوم عندما حصل الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن على تأشيرة إلى أميركا فاحد لم يهتم بان اسمه ووجهه قد نشر عبر الصفحات الأولى للصحف العالمية باعتباره الرجل الذي اصدر فتوى لاغتيال السادات).

مثل إخوته، وجد خالد شيخ محمد طريقه إلى أفغانستان، حيث تواصل مع “سياف”، الأفغاني حليف المملكة العربية السعودية. وكان قد التقى في بيشاور بأسامة بن لادن وجميع المتعصبين الجهاديين الأخريين ومنهم تعلم أدوات الإرهاب. لم يكن هناك شيء مثل نصب الكمائن لاختبار بعضهم البعض لمعرفة من سوف يموت في سبيل الله. بعد ذلك عاد بثقة تكفي لارتكاب مجازر جماعية يوم 11 سبتمبر.

على أية حال، الأفغان لا يحتاجون إلى تدريب في القتل. حرب وكالة المخابرات المركزية هي محض ممارسة لوجستية. لم يكن لدينا الكثير من الاتصالات مع الجماعات المقاومة، مما يعني أن وكالة المخابرات المركزية كانت عمياء عن أشخاص مثل الشيخ.

السعودية ملجأ أخواني آمن

هذا النهج كان واضحا في المملكة العربية السعودية. عندما ضيق عبد الناصر على الإخوان في العام 1954، فر المسلحون إلى المملكة العربية السعودية، حيث لاقوا الأذرع مفتوحة لهم. الإخوان عرفوا كيف علم ابن تيمية، القرآن الكريم.

الوهابيون المتطرفون، غزوا قبل فترة طويلة، الكليات الدينية والجامعات والمدارس الدينية في المملكة العربية السعودية. وبحلول العام 1961 كان الإخوان يترسخون في المملكة وأقنعوا الملك سعود بتمويل الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة لتحل محل القاهرة والأزهر، المركز التاريخي للتعليم الإسلامي.

المملكة العربية السعودية تعمل كمقود للأخوان. في صيف العام 1971 رتب الملك فيصل سفر وفد من الإخوان من المملكة العربية السعودية للتصالح مع السادات. وكان سعيد رمضان رئيس الوفد، ولكن السادات والإخوان لم يتوصلوا إلى اتفاق، وقد سحبت المملكة العربية السعودية يدها. وذكر الصحفي المصري الأكثر شهرة، محمد حسنين هيكل،  ذلك في كتاب “خريف الغضب”.

في أوائل 1970 لم يكن أحد يشك في أن المملكة العربية السعودية قد أصبحت قاعدة خلفية للإخوان. يمكنك تعريف حسن البنا والإخوان كما تريد، ولكن تعريفهم اليوم هو “إرهابيين”. شعار البنا كان:

الله هو هدفنا، والنبي قائدنا، والقرآن دستورنا والجهاد طريقتنا وهم يموتون من أجل الله وهو الهدف الأسمى. وعلى الأرجح أن تلك هي الكلمات الأخيرة لخاطفي 11 سبتمبر .

بن لادن وشراكة الوهابيين والأخوان المسلمين

لمعرفة تأثير الاختلاط الوهابي والأخواني، نجد أن حالة أسامة بن لادن هي اكبر مثال، فهو كان طالبا في جامعة الملك عبد العزيز، ووقع بن لادن تحت تأثير اثنين من الأخوة المسلمين: عبد الله عزام ومحمد قطب. عزام، هو فلسطيني أردني، كان قد تم تجنيده من قبل الإخوان كطالب في جامعة القاهرة في الأزهر. وفي وقت قريب أصبح يعرف باسم “أمير الجهاد”، وبحلول ذلك الوقت الدولة الوحيدة التي من شأنها أن تأخذه كانت المملكة العربية السعودية، التي قدمت له وظيفة للتدريس في الجامعة. عزام وبن لادن أمضيا بعضا من وقتهم في بيشاور، باكستان، خلال الحرب الأفغانية.

محمد كان شقيق سيد قطب الأخواني الأكثر تشددا بين المتطرفين في مصر،  وهو شجع على فكرة أن جميع المسيحيين واليهود هم كفار ويستحقون القتل. أعدم سيد قطب في مصر العام 1966، ولكن مذهبه عاش.

نجد أن واشنطن تغاضت عن هذه المجموعات لسببين: الأول، الإخوان كانوا بجانبنا في الحرب الباردة، لمحاربة الاتحاد السوفياتي، ثانيا: السعوديون كانوا في تلك الفترة يخزنون النفط لنا.

الإخوان كانوا أشبه بالسرطان، يرسخون في الجهاز المضيف ولا يمضي وقتا طويلا حتى ينتشرون في جميع أنحاء الجسم.

متاعب الجنة بيشكيك، قيرغيزستان – نوفمبر 1992

القرغيز” هم إحدى العرقيات التركية… استوطن القرغيز في وسط آسيا في دولة قيرغيزستان وقسم في آسيا الصغرى، والشيء الوحيد الذي تعلمه القرغيز الذين يعيشون على أطراف الإمبراطورية السوفياتية هو: “المقاومة هي السبيل الوحيد لتأمين طريقك”.

بينما كنت في قيرغيزستان جواز سفري الدبلوماسي الأميركي الأسود اللامع، لم يسهل تنقلي إلى تيان، بل قالت لي المسؤولة في المطار “انتظر مثل أي شخص آخر”.

أفترض أنها رأت نصيبها من المشاكل مع السياح الغربيين، فمنذ افتتحت قيرغيزستان جبال تيان شان للمتسلقين، المتنزهين، والصيادين، ازدادت عمليات خطف السياح من قبل قطاع الطرق وكانت “ايروفلوت” أو القوات الجوية القيرغيزية تخاطر بطائرات الهليكوبتر لإنقاذهم. وعند حدوث ذلك، كان الجيش القرغيزي ينشر قواته لتحرير الرهائن ودفع الاحتياطي إلى أعالي الجبال.
واحدة من الحالات الغريبة التي كنت قد سمعت عنها هي محاولة سيارة فيها هولنديون البحث عن طريق الحرير القديمة بين “أوش” -المدينة المليئة “بالاواسيس”- و”كاشغر” غرب الصين. كان لديهم جميع التأشيرات الصينية اللازمة، ولكن الحراس الصينيين على الحدود القرغيزية على ما يبدو لم يروا تأشيرات الدخول. أو ربما اشتبهوا بالدراجات المربوطة بالجزء العلوي لسيارة الهولنديين. وعلى أية حال، فإن حرس الحدود لم يسمح لهم بالدخول إلى بكين، ولم يكن هناك هاتف للاتصال ببكين. ولم يكن امام الهولنديين أي خيار سوى العودة إلى الوراء.

“أوش” ممنوعة منعا باتا على الأجانب، فهي “موقع استراتيجي” و “دبلوماسي” وذهابي إلى هناك يعد مشكلة. لماذا الاتحاد السوفياتي مذعور من آسيا الوسطى؟. اعتقد أنها كانت تعيش شبح اللعبة الكبرى -حرب الظلال البريطانية- التي خاضتها روسيا في القرن التاسع عشر من أجل السيطرة على المنطقة. وكانت روسيا مقتنعة أن بريطانيا تعتزم تقويض إمبراطوريتها عبر آسيا الوسطى، وتعتقد بريطانيا أن روسيا كانت تحاول أن تفعل الشيء نفسه في الهند.

بريطانيا لم تفعل أي شيء لمساعدة روسيا للتخلي عن جنون العظمة الذي لديها، خلال القرن التاسع عشر، اخترق البريطانيون شمال أمو داريا، -النهر الموحل الذي يفصل وسط آسيا الروسي عن أفغانستان-. معظم أولئك الذين عبروا الحدود إلى أماكن مثل أوش مكثوا قليلا، وتوجهوا لاحقا جنوبا نحو شبه القارة الهندية. في نهاية المطاف، الروس هم أكثر تخوفا من الإسلام مما هي عليه بريطانيا.

وقعت أول انتفاضة إسلامية خطيرة ضد السوفيات في آسيا الوسطى في العام 1918. والتداول في القيصرية الشيوعية كان بالتأكيد صفقة سيئة للمسلمين الوسطيين في آسيا. بعد مرور شهر على انتصار أكتوبر 1917 في الشمال، أرسلت مفرزة البلاشفة للاستيلاء على العاصمة الإقليمية الهامة من “طشقند”. وبدأ المفوضون الجدد جمع المواد الغذائية التي يمكن أن يضعوا أيديهم عليها والاستيلاء على محصول القطن في جمهورية الصين الشعبية. وسرعان ما تبعتها مجاعة قتلت ما يقرب من مليون شخص في آسيا الوسطى.

بينما كان البلاشفة يعملون لتعزيز انتصارهم في أماكن أخرى في الاتحاد السوفيتي، حصلت الانتفاضة. والفوز أعقبه فوز آخر. والتمرد حصد عشرون ألف جندي، معظمهم من الفلاحين المقاتلين، وجميعهم من المسلمين.

في النهاية، تفوق الشيوعيون على “البسماشي”، وبحلول العام 1920 طردوا “البسماشي” مرة أخرى إلى جبال طاجيكستان، وذلك عندما ظهر “انور باشا”.

وزير الحرب التركي خلال الحرب العالمية الأولى “أنور باشا” فر إلى برلين بعد هزيمة دول المحور، ثم ذهب إلى موسكو بدعوة من لينين. لينين كان يريد استخدام الكاريزمية التركية لجذب المسلمين في آسيا الوسطى إلى حظيرة الاتحاد السوفيتي، ولكن كما اتضح، كانت للباشا رؤية عظيمة: دولة عمومية تركية من شأنها أن تمتد من مضيق البوسفور إلى منغوليا. وفي شباط العام 1922، استولى الباشا على “دوشنبه”، عاصمة طاجيكستان الحديثة.

بحلول نهاية الربيع، كان قد سيطر تقريبا على إمارة “بخارى” كلها. في يوليو 1922 اضطر السوفيت للرد على غدر الباشا فقاموا بتقسيم الجنوب لمنعه. وقد قتل في معركة 4 أغسطس من ذلك العام. ولكن “البسماشي”، لم تنتزع تماما حتى العام 1934، وكان بعض المتمردين قد فكروا، بتحصين الوديان الجبلية النائية في طاجيكستان، ومعظمهم لجأوا إلى أفغانستان، والبعض الآخر تراجعوا بعيدا نحو المملكة العربية السعودية، ومنهم من أقام في مكة المكرمة وأصبح صوفيا أو وهابيا.

الأصولية الإسلامية لم تهدد الهيمنة الروسية في آسيا الوسطى حتى العام 1979، لكن ذلك كان مدهشا. لآلاف السنين، كانت أفغانستان هي الممر الرئيسي للتجارة بين الشرق والغرب، مما يعني أنها كانت أيضا عرضة للغزو والاحتلال. بدأت الاضطرابات الحالية في أفغانستان في العام 1973، وعندما حصل الانقلاب العسكري في الجمهورية الأولى في البلاد، انتهى الحكم الأجنبي والقبلي الذي استمر لقرون.

بعد خمس سنوات، استولى اليساريون المدعومون من السوفيت على الحكم، والحكومة الجديدة وقعت معاهدات اقتصادية وعسكرية على الفور مع موسكو.

لم يستغرق العالم الإسلامي وقتا طويلا للرد. في مارس 1979 استولى الأصوليون على الشعبة 17 من الجيش الأفغاني، والتي مقرها في هرات. وبدأت الثورة على الفور بالتوسع، لتصيب بقية أفغانستان، وتهدد السوفيت، والحكومة الإسلامية المتشددة في كابول كانت أسوأ كابوس للسوفييت”.

وقد بدو مذعورين فخلال اجتماع طارئ في 17 مارس دعا وزير خارجية الاتحاد السوفيتي اندريه غروميكو المكتب السياسي قائلا: “إن المسلحين تسللوا إلى أراضي مقاطعة هيرات من باكستان وإيران وانضموا إلى القوى المحلية للقيام بالثورة المضادة، التي تتألف من المتعصبين الدينيين، بينما قادة الجماهير يرتبطون في جزء كبير بالشخصيات الدينية. “بعبارة أخرى، لم يكن من المتوقع أن يتواجه الاتحاد السوفياتي وجها لوجه مع الجهاد الإسلامي.

ذكريات “ثورة الباسماشي” معلقة في الهواء وكأنها جثة عفنة، الحدود الجبلية المشتركة بين السوفيت وأفغانستان تشهد موجة مد إسلامي في الجنوب.

الوضع كان يتدهور يوما بعد يوم، عندما تبين أن حكومة كابول لا يمكن أن تستمر على نحو أطول، بعد أن غزا الجيش الأحمر. وعبرت القوات لأول مرة الحدود عشية عيد الميلاد في العام 1979. وبالنسبة للاتحاد السوفييتي، كان هناك أبعاد توراتية وراء ما حصل، فكل الأموال والجنود والدبابات -تي 72-، وطائرات – Mi-24 – لم توقف الأفغان.

بعد مرور عشر سنوات، الاتحاد السوفيتي نفسه بدأ ينهار، واخرج آخر جندي سوفياتي من أفغانستان. وكما كان يخشى المكتب السياسي، الفوضى بدأت تتفاقم عبر الحدود. وفي العام 1990 اندلعت أعمال شغب عرقية بين الأوزبك والقرغيز في أوش، وقتل أكثر من ألف شخص. والجمهوريات الثلاث السوفيتية التي تتقاسم وادي فرغانة – قيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان – وضعت قواتها المسلحة في حالة استنفار.

في العام 1991 أوزبكي عمره أربعة وعشرين عاما اسمه طاهر يولداشيف قاد انتفاضة إسلامية في نامانغان، في منتصف المسافة تقريبا بين أوش وطشقند. وعندما تم قمعه بوحشية، فر يولداشيف إلى أفغانستان وشكل الحركة الإسلامية لأوزبكستان.

وخلال الهجوم الأميركي في أكتوبر 2001، أجرت الحركة الإسلامية الأوزبكية في أفغانستان حملة إرهابية متفرقة ضد طشقند، وتسللت الكوادر من خلال فرغانة .

جميع طرق النفط والغاز الآسيوية تمر من روسيا

اهتمام واشنطن، بالانبعاث الإسلامي في آسيا الوسطى كان قليلا، باستثناء شيء واحد: احتياطيات النفط والغاز الهائلة في المنطقة، وفي الخليج (الفارسي). فالجزء الأكبر من النفط يقع تحت كازاخستان، في حين أن الغاز يقع تحت تركمانستان، بنحو 260 مليار برميل من احتياطي النفط، وبقدر أكبر من احتياطي الغاز بكل من أميركا الشمالية ومنطقة بحر قزوين التي يمكن أن تضيء مصانع الولايات المتحدة لفترة طويلة. المشكلة الوحيدة كانت ان نحصل عليها، أن كازاخستان وتركمانستان هي في منتصف جهاز التحكم ذات سهوب أوراسية غير ساحلية.

في إطار الاتحاد السوفياتي، تم تصدير الطاقة في آسيا الوسطى غربا إلى روسيا وشرق أوروبا عن طريق شبكة معقدة من خطوط الأنابيب. وكانت هذه هي مشكلة النفط والغاز الآسيوي. جميع الأنابيب تسافر عبر روسيا. الروس يمكنهم وقف الصادرات، لتضييق الخناق على الدول التي تمتلك الطاقة. الطاقة لها قيمة فقط عندما تكون مع النظام. وخلاف ذلك، فإنه من الأفضل تركها في الأرض.

حالما انهار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، قررت واشنطن تحويل الطاقة في آسيا الوسطى إلى أصول استراتيجية. ولكن لماذا لم تتجاوز خطوط الأنابيب الروسية النظام لإيجاد طرق تصدير بديلة؟ فذلك سيجعل دول آسيا الوسطى مستقلة اقتصاديا. وفي أي وقت من الأوقات، الديمقراطية ستزدهر، مع الـ 260 مليار برميل من نفط قزوين لتصديرهم بالكامل وبحريا، فلن تحتاج للنفط في الشرق الأوسط.

يبدو أن اللعبة العظيمة يمكن أن تعود مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع الولايات المتحدة قبالة اثنين من أكبر القوى الإقليمية: روسيا وإيران. وبطبيعة الحال، شركات النفط الأميركية هي على قائمة الانتظار. شيفرون وموبيل، هم أكبر المشاركين، وقد حصلوا على تنازلات عملاقة في كازاخستان. أموكو اشترت حقل ضخم في أذربيجان. يونوكال، وضعت خطط لإنشاء زوج من خطوط الأنابيب عبر أفغانستان.

الجميع يتجاهل حالة عدم الاستقرار السياسي التي لا نهاية لها في المنطقة – وعدم وجود أي شبكة نقل للطاقة. كيف يمكن لشيفرون، موبيل، واموكو الحصول على النفط وإخراجه من بحر قزوين؟ كان مسار خط الانابيب الأكثر أمانا عبر روسيا يمتد إلى البحر الأسود، ومن هناك عبر ناقلة إلى البحر الأبيض المتوسط​​، ولكن روسيا كانت ترغب في ابتزاز شركات النفط الأميركية. فهم كانوا يحصلون على ثلاثة دولارات مقابل كل طن من النفط. وكان هناك طريق بديل لتركيا، ولكن كان يجب أن يمر إما من خلال جورجيا أو أرمينيا.

الشريك السعودي في نفط آسيا الوسطى

المملكة العربية السعودية، في الوقت نفسه، لم تكن مؤمنة. وقال السعوديون: “من الحماقة التفكير بان نفط أسيا الوسطى قد يكون بديلا لنفط الشرق الأوسط، فلننسى عدم الاستقرار السياسي، وننظر إلى التكاليف”.. نفقات رأس المال تتضمن رفع نفط بحر قزوين، وكانت التكلفة تصل إلى ستة دولارات للبرميل، في حين رفعت تكلفة البرميل السعودي لواحد أو لاثنين. في قطاع النفط، هذا لم يكن هناك انقسام تافه، وخاصة في أوائل ومنتصف 1990، حيث بلغت نسبة التكلفة عشرة دولارات للبرميل عندما تم سحب النفط من الجزء السفلي.

ومنذ كانت تكلفة بناء خطي أنابيب رئيسيين لتصدير النفط 7 بليون دولار – أصبح بحر قزوين لا معنى له على الإطلاق، وخاصة للسعوديين.

عرف السعوديون لماذا كانت شركات النفط تشتريه : فهذا يعزز ورقة الاحتياط لديهم. ويمكن حجز كل احتياطيات بحر قزوين، والمساهمون لن يكونوا أكثر حكمة، فهم لا يدركون مدى صعوبة إخراجه، ولكن المملكة العربية السعودية لم تكن تعرف نوايا حكومة الولايات المتحدة. الحرب الباردة انتهت، فمن يهتم إن كانت آسيا الوسطى مستقلة عن روسيا أم لا؟ المملكة العربية السعودية تعرف واشنطن، سواء قامت بصناعات اقتصادية أم لا، فهي قد تضع وزنها المالي وراء نفط بحر قزوين. إذا استثمرت الولايات المتحدة ما يكفي من المال، فإنها قد تحقق الأحلام. فقد صرفت عشرات المليارات من الدولارات لتمويل حرب الخليج (الفارسي).

الولايات المتحدة أصرت على أن الحرب كانت ضرورية للحفاظ على الوضع الراهن – وللحفاظ على غزو المملكة العربية السعودية وللتأكد من أن بيت سعود سيبقون مصرف العالم من النفط.

بسبب غضبها من واشنطن وحذرها من دوافعها، أبقت السعودية إصبعها على نبض بحر قزوين. دلتا النفط، أنشأها عبد الله ولي العهد والسعوديون الأقوياء الذين استثمروا في أذربيجان (غضب السعودية من واشنطن، لم يمنع دلتا النفط من تجنيد اثنين من الشركات الأميركية بيزنس از بيزنس).

بعد أن تركت وكالة المخابرات المركزية، علمت أن المخابرات السعودية بشخص تركي الفيصل اتفقت مع شركة “بريداس الأرجنتينية” لبناء خط أنابيب للغاز من تركمانستان إلى باكستان، يمر عبر أفغانستان. وكانت هذه الصفقة مثالية بالنسبة “لبريداس”، لأن تركي كانت له علاقات جيدة مع طالبان أكثر من أي سعودي. فهو قدم لهم مئات الملايين من الريالات.

الذهب الأسود، الصراع العرقي، الأصولية الإسلامية، الحرب الأهلية، والمطامع الروسية – إنها اللعبة الكبرى عادت من جديد. ولكن من كان يلعب ومن لا؟ وما هي قواعد اللعبة هذه المرة؟ هذا ما كنت أنوي معرفته.

رحلة الأربعين دقيقة من “بيشكيك” إلى “أوش” أعطتني الفرصة لجمع أفكاري حول ما كنت أتوقع أن أتعلمه في “فرغانة” وكيف؟.

الأصوليون الإسلاميون كانوا يشنون حربا دون جبهات أو وجوه. فقد حاولت العثور على صورة لزعيم الحركة الإسلامية الأوزبكية يولداشيف، لكن لم يكن هناك واحدة.

في شهر أكتوبر العام 1992 تم إجلائي من طاجيكستان المجاورة بسبب الحرب الأهلية بين السوفيت سابقا والأصوليين الإسلاميين الموالين. فجاء الأمر من مقر وكالة الاستخبارات المركزية بالعودة إلى واشنطن، حيث كان من المفترض أن ننتظر حتى نتمكن من العودة وإعادة فتح المكان.

وأنا كنت قد استخدمت كافة مهاراتي لإقناع رئيس قسم أوراسيا الوسطى، جون ماك غيفين، للسماح لي بالقيام بجولة في آسيا الوسطى.

ولاحقا سمح لي بقضاء الوقت في فارسي في سمرقند، العاصمة القديمة لأوزبكستان، موطن خلافة الفاتحين من الإسكندر الأكبر إلى تيمورلنك.

قبل بضعة أيام وقع ماك غيفين أوامر سفري، وقال: “إنهم يتحدثون الفارسية في سمرقند؟” “لم أكن متأكدا، ولكن قرأت ذلك في القرن الرابع عشر”، فالأشياء لا تغيير بين ليلة وضحاها في شمال نهر آمو دريا.
لحسن الحظ، كان الدليل موجودا لدى وصولي إلى المطار. وعلى الرغم من انه لم يكن يعرف سوى حوالي ست كلمات باللغة الإنجليزية – كان ذلك يكفيه لتعليم الأدب الإنجليزي في الكلية التقنية المحلية – ولكن استطعنا التواصل باستخدام ما اعرفه من طاجيكية وروسية، وألمانية، الأهم من ذلك، انه كان مستعدا ليأخذني إلى أي مكان في فرغانة.
في صباح اليوم التالي توجهنا إلى “نمناغان” وهي تبعد ساعة بالسيارة، ومن المفترض أنها المكان الذي يحوي الأصوليين الإسلاميين في المنطقة. فأخذنا ننتقل من مسجد إلى مسجد، ولكن لم يكن هناك أحد في المنطقة. لم يكن هناك أي كتابات على الجدران. وعلى الرغم من أنه كان يوم الجمعة، وهو يوم مقدس للمسلمين، لم نر أي مظهر من مظاهر الأصولية في الخارج. بدلا من ذلك، بدا المكان في أوش – فاتر جدا. فقررت أن اجلس بجنب أحد المساجد، قبل أن أتوجه إلى السيارة، ولكن اخذ “ابراموف” بذراعي وأوقفني لأشاهد السيارة التي كانت تقف على الرصيف أمام المسجد، وفيها ثلاثة رجال كانوا يجلسون، ويراقبون.

وقال “ابراموف”: “دعنا نذهب” وأنا لم اعترض. فالتصريح الذي احمله يسمح لي بالتنقل حول قرغيزستان وجزء من فرغانة، ولكن نحن كنا في أوزبكستان. فأقترحت أن نذهب إلى كوكاند. وبينما كنا نذهب بعيدا، كنت أرى أحد الرجال وهو يدون أرقام اللوحة.

بعد ساعتين، رافقني ابراموف إلى الفندق الوحيد الموجود في كوكاند. فكان المكان فارغا باستثناء رجل أوزبكي يجلس على أحد الكراسي في البهو.

فقال له ابراموف: أريد غرفة” فقال الأوزبكي “جواز السفر، من فضلك.” وتابع: “ليس لديك إذن لزيارة كوكاند” وهو يقلب بصفحات جواز سفر دون العناء للنظر إليه. فمن الواضح، أن أحدهم قد أبلغه بأنني في طريقي إليه، وإنني افتقر الأوراق المناسبة. فنيا، أنا تخطيت القانون. فالبرغم من أن أوزبكستان حصلت على استقلالها في العام 1991، فإنها لم تتجاهل النظام السوفياتي القديم وكانت تطلب وثيقة مرور لزيارة المدن والمناطق التي تعتبر حساسة. فلم تكن أوزبكستان تثق بالأجانب كأي دولة في الاتحاد السوفياتي.

مشى الرجل نحو مكتب الاستقبال لإجراء مكالمة. وبعد دقيقتين ظهر اثنان من رجال الميليشيا يرتدون الزي العسكري مع كلاشينكوف متدلي على الكتفين. فحصلت محادثة بين الأوزبكي وابرامو، ولكن كلها كانت بالأوزبكية، فلم أفهم كلمة واحدة. والنتيجة كانت ان ابراموف ابتسم وهز يدي ورحل. ولم أره مرة أخرى.

عندما ذهبت إلى غرفتي، رافقني الرجلين وبقيا أمام الباب. فاعتبرت أن هذا الموقف سخيف فأنا كنت مسافرا بجواز سفر دبلوماسي. ولم أكن من المعوزين، وأنا بالتأكيد لم أكن “بشماسي” فتوجهت إلى الطابق السفلي لمعرفة ما القصة، فاتبعني أحد الرجال.

الرجل الأوزبكي كان لا يزال هناك، فسألته إذا كنت تحت الإقامة الجبرية. فقال: “لا فنحن هنا لحمايتك”. فالأمور خطيرة جدا في فرغانة. فسألته: “هل لي أن أتمشى حول كوكاند هذا المساء؟” فقال: “لا البشماسي موجودون بكثافة في الليل”.

في صباح اليوم التالي طرق الأوزبكي على بابي، وقال: “يمكننا زيارة كوكاند هذا الصباح، وكان يقف وراءه رجل بملامح روسية، مرتديا زيا مطابقا للأزياء الأوزبكية. لم يقدم نفسه، وأنا لم اعرف من كان.

فعرضت على الأوزبكي اخذي لزيارة المسجد الرئيسي بدلا من الجولة على مصنع النسيج الرئيسي في كوكاند. فنظر الأوزبكي والروسي لبعضهما البعض مستهجنين طلبي. فقد تم بناء المسجد على طول خطوط آسيا الوسطى التقليدية، مع قبة مزينة بالبلاط، وبينما كنت أتجول وجدت أن الفصول الدراسية فارغة، وكان هناك رجل بعمر الخمسة والستين، يرتدي الجلباب ويجلس على الأرض، مستمعا لصبي يقرأ سورة من القرآن الكريم كانت اللغة العربية، وأشك بأنه كان يفهم كلمة واحدة. وقف المرافقون عند الباب، في حين جلست على الأرض و تحدثت إلى رجل الدين، أو حاولت ذلك.
بدا رجل الدين مستغربا عندما القيت عليه التحية بالطاجيكي. وقال انه لم يتحدث الطاجيكي أو لم يرغب في التحدث بها أمام المرافقين. وقال بالروسية “أنا لا افهم”.

وعندما حاولت التحدث بالعربية، بدا وجه الرجل مشرقا. وسأل: “إذا أنت عربي”. قررت تجنب هذا السؤال فلو قلت له الحقيقة، كان سيصمت.

لقد لاحظت أن المرافقين كانوا يشعرون بالغضب، وكانوا يهمسون لبعضهم البعض، لا شك أن رجل الدين كان يتحدث بلغة لا يفهمونها. وسألت: “من الذي دفع ثمن هذه؟ مشيرا إلى كومة من المصاحف الجديدة الموضوعة على الطاولة في الزاوية .

وبينما كان يأتي بواحد لي قال: “تم التبرع بها من قبل منظمة الإغاثة الإسلامية الدولية، الأكثر نشاطا في العالم، وهي المنظمة التي هوجمت بشكل كبير بعد 11 سبتمبر.

هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية تأسست في العام 1978، وهي جمعية خيرية مستقلة خاصة، على الأقل على الورق. وهي مؤسسة حكومية سعودية، تحت سيطرة العائلة المالكة. شقيق الملك فهد بن عبد العزيز كامل سلمان وافق شخصيا على كل الإنفاقات. وكان لإنشاء هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية دورا هاما في مسيرة دعم المملكة العربية السعودية للإسلام المتطرف.

الجمعيات الخيرية التي يرعاها بيت سعود – كهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية تمثل “مذلة العرب” ولهزيمتهم في حرب حزيران 1967 مع “إسرائيل”. فعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية لم تقاتل في الحرب، الا انها قوضت بالكثير من الاتهامات. فلماذا لم تخصص العائلة المالكة السعودية عائدات النفط لبناء جيش يحقق النصر ضد الإسرائيليين؟ لماذا كان أمراء آل سعود يقامرون في مونت كارلو عندما كان ينبغي أن يكونوا على الجبهة مع المؤمنين الآخرين؟ وعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية هي الحارس للعتبات المقدسة الإسلامية، إلا أنها جلست على الهامش بينما كان يسحق الإسلام. وبعد العام 1967 كانت السعودية حريصة على تدفق المال لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية.

عندما قررت المملكة العربية السعودية تمويل المجاهدين الأفغانيين في وقت مبكر من العام 1980، أثبتت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية أن هناك حلا مثاليا، المال مقابل الإنكار. إذا قامت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بتخطي القانون في بعض البلدان، أو ضل أحد موظفيها طريقه وانضم إلى الجماعات الإرهابية، المملكة العربية السعودية يمكن ببساطة أن تنفي مسؤوليتها، وتسحب العائلة المالكة يدها دون الشعور بالحرج كما حدث على مر السنين.

كانت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية مؤيدة لعبد الرسول سياف، -تولَّى سياف رئاسة الاتحاد الذي توحدت فيه المنظمات الجهادية كلها في العام 1980، والذي لم يستمر طويلا، بعد أن توحدت الأحزاب الجهادية، واختير سياف رئيسا لهذا الاتحاد، بعد أن تشتت الاتحاد وبعد عودة المنظمات الجهادية كلها إلى أعمالها وأنشطتها المستقلة، أعلن سياف حزبه السياسي الجديد باسم “الإتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان”.
سياف اتخذ تحت قيادته بن لادن وغيره من الشباب السعودي الذين جاؤوا للمساعدة في طرد الروس-.

هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية تولت مهمة التبشير في آسيا الوسطى، على الرغم من أنها كانت صغيرة، ولكن ما هي الرسالة التي كانت تبثها؟ هل هي دعم لحركة سياف في آسيا الوسطى؟ والجهاد الحديث؟ أو هل كان حمل المصاحف، مجرد محاولة لتذكير المسلمين في آسيا الوسطى للعودة إلى الإيمان؟.

فقررت أن أسال رجل الدين: “هل المملكة العربية السعودية أرسلت لك أي من أعمال ابن تيمية؟”. فإذا كان السعوديون يوزعون أعمالهم، فهذا يعني أنهم كانوا يقومون بأكثر من التبشير. فقال رجل الدين: “من”؟.المصاحف التي تبرعت بها هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية هي مجرد بداية، وموطئ قدم للجهاد المتكامل. رجل الدين ربما لم يعرف عن ابن تيمية، ولكن أنا مقتنع بأنه في يوم من الأيام هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، سوف تأتي بابن تيمية، السعوديين كانوا على يقين بأنها كامنة وراء الستار. ماذا عن الولايات المتحدة؟ هل تعد نفسها لما هو آت؟.

عندما وصلت إلى طشقند في صباح اليوم التالي، اطلعت الرئيس عن زيارتي إلى المسجد وسألته ماذا يعرف عن دور السعوديين في فرغانة. فهو أمضى في البلاد حوالي ستة أشهر فقط، ولكنه كان جيدا بالروسي، وقد جال كثيرا.

“ولكنه قال: ليس لدي أدنى فكرة، المملكة العربية السعودية ليست هدفا”، وأنا لم اذهب إلى فرغانة”، كان لدي نفس المشكلة التي عانيت منها في بيروت عندما كنت أتعرف على “زهير الشاويش”، دون توجيه من لانغلي للنظر في الأصولية السعودية في آسيا الوسطى، ورئيس وكالة المخابرات المركزية لم يكن حتى من المفترض أن يفكر في ذلك.

وتابع: “يمكنني أن أسال الأوزبك، لكنني أعرف مسبقا أنه لن يقول لي أي شيء”. سوف يقولون أنه شأنا داخليا، أما بالنسبة للاوزبك، فقد حصلت على انطباع قوي بأن معاملتهم للمقاومة الإسلامية الأصولية هي نفس الطريقة التي تعامل فيها المفوضون السوفيات مع التمرد البشماسي، فهم ينعتوهم بأنهم عصابات من المجرمين.

قضيت أسبوعا في طشقند في مجمع السفارة. وعلى الفور لاحظت أن البقاء على قيد الحياة كان في ذهن الجميع. كان السكن رديء، السباكة لا تعمل، وكان هناك دائما نقص في البنزين. وإذا وجد أي وقت فراغ في نهاية اليوم، كان العاملون في السفارة مثقلين ببعض المشاريع التي توكلهم اياها واشنطن، مثل إنشاء “فيلق السلام” أو “تدريس الأوزبكيين كيفية تشغيل آلات التصويت”، ناهيك عن أنه لا يوجد انتخابات ديمقراطية في أوزبكستان. في غضون ذلك، تجد انه ليس هناك من أحد يفكر في عمل أو أهداف هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية والسعودية ووصولهم إلى وسط آسيا.

أنا لم أصل إلى سمرقند لدراسة اللغة الفارسية، فوكالة المخابرات المركزية فتحت مكتبا في دوشنبه في يناير كانون الثاني عام 1993، وأنا عدت إلى العمل، ولم يمض وقت طويل قبل أن ترفع المملكة العربية السعودية رأسها.
فقد قامت جماعة متمردة طاجيكية إسلامية بعبور نهر بانج من أفغانستان وتمكنت من تجاوز الحدود الروسية بعد قطع رؤؤس الحراس.
لم أتمكن من معرفة ما كان هدف المملكة العربية السعودية من هذا الهجوم، لم يكن لديها أي قوات في أفغانستان، على الأقل رسميا، والجزء الأفغاني الذي مر عبره الثوار كان يسيطر عليه مجموعة يفترض أنها تأخذ أوامرها من دولة مجاورة ( حسب زعم الكاتب).

ولكني كنت مخطئا. المتمردون كانوا تحت قيادة رسول سياف، والاتحاد الإسلامي الذي يحميه بن لادن.. لم أكن أصدق ذلك، ولكن يبدو أن الروس يلقون باللوم في كل شيء على المملكة العربية السعودية، من الحرب في أفغانستان للقتال العرقي بين الأرمن والأذربيجانيين في أذربيجان. كما اتهموا السعوديين باذكاء الانفصاليين الشيشان الذين أعلنوا استقلالهم في العام 1991. المملكة العربية السعودية قد دفعت للحرب الأفغانية، ولكن هذا لا يعني أنها كانت تفعل الشيء نفسه في آسيا الوسطى.

لقد تعاونت مع “بوريس سيرجيفيش” ووعدت بمساعدته على معرفة اهداف “سياف”، أو ما إذا كان للرياض دخل في ذلك الهجوم. وقال انه لا يثق كثيرا بوكالة الاستخبارات المركزية.

بعد ذلك بيومين، طرق بوريس على بابي، وسلمني قائمة أسماء وقال: “سوف تعرف من هم هؤلاء الأوباش” “انهم عرب، وجميعهم مع سياف، وكانوا وراء الهجوم على الحدود”.
لم اتكلف عناء إرسال الأسماء إلى مقر القيادة لأنني لم اكن افترض انه يتم التنسيق مع الروس. بدلا من ذلك، أنا أرسلت الأسماء إلى إسلام أباد، حيث كان “بيل”  (نص محذوف) رئيسا، فهو يدرك تماما ما كنت أحاول القيام به. وإذا اردت معرفة اي شيء عن الاصوليين فامامك اسلام اباد. وفي وقت لاحق أرسل “بيل” رده فقال: لا يمكن أن تعرف اي شيء عن بوريس العرب، لأنه لم يكن لدينا أي وكيل في مخيم سياف .

كان من الصعب أن نعتقد ان سياف هو من صنعنا، كان واحدا من سبعة جماعات افغانية مقاومة في بيشاور بدعم من لجنة التنسيق الخاصة بمجلس الأمن الوطني. جيد بما فيه الكفاية، كنت بحاجة الى مصدر في المجموعة. ومن الواضح أنه لم يكن لدينا مصدر في مجموعة سياف، أو اي أحد من الذين استمروا خلال النزاع الأفغاني. من منظور التجسس، وكان ذلك خطأ فادح.

بوريس وجد ان هذا غير مفهوم، السوفيات لا يطلقون حملة سرية إلا إذا كانوا يسيطرون عليها من الألف إلى الياء إذا طلبوا من الألمان الشرقيين تشغيل الحملة في أفريقيا أو أميركا الجنوبية، فهم متأكدين من اللعنة التي كانت ستحصل. فهم لم يثقوا أبدا بالباكستانيين أو السعوديين في قول الحقيقة.

لقد تجنبت بوريس للأسابيع القليلة القادمة. عندما لم أستطع مساعدته في تجاوز الممر الخافت الذي تشاركنا فيه، وقال وهو يبتسم بتكلف: انظر، لقد قلت لكم ذلك. أنا متأكد انه يعرف من هو سياف، ومن اسياده، والمملكة العربية السعودية، وبقية الأصوليين في أفغانستان. وقد استمرت الهجمات على القوات الروسية على طول الحدود الطاجيكية حتى نقلت من دوشنبه في العام 1994.

الأمور لم تصبح أفضل… في العام 1997 بيل لوفجرين، رئيس قسم أوراسيا الوسطى، التي تغطي الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية، احضر مخرجين “غلف ستريم” لأخذ جولة سريعة في آسيا الوسطى والقوقاز. ستة نقاط ونحن، ما زلنا نفتقد للجواب المطلوب حتى الان: هل كان الإسلام المسلح تهديدا لمنطقة بحر قزوين أم لا؟ لا يمكن لأحد أن يقول كلمة حول هذا الموضوع، وحتى معظم كبار المسؤولين الذين كان يفترض أن يتحدثوا عن ذلك. واشنطن والمملكة العربية السعودية – توافقان على سياسة الصمت.

وجاءت المرحلة الاخيرة من رحلة العودة. في الصباح كنا نستعد للسفر إلى لندن من آلماتا، الى تبليسي، جورجيا. لم يكن هناك مشكلة في البداية. ولكن لاحقا قيل لنا إنه يمكن التزود بالوقود وقضاء اليوم والقيام بجولة في تبليسي إذا أردنا. ولكن بمجرد هبوط الطائرة، كنا نعرف ان الامور كانت ستسير بشكل خاطئ، حيث ظهر الجنود مدججين بالسلاح في باب “غلف ستريم” وصرخوا لإغلاق الباب والبقاء في الطائرة. ويا للسخرية، مسار الرحلة كان من وادي بانكيسي في جورجيا وهي معقل بن لادن .

لم أفهم كم كان بوريس محق حتى العام 1998، عندما جئته ببعض الوثائق الروسية التي تتعلق بالحرب الشيشانية.

أعلن الشيشان استقلالهم عن روسيا في العام 1991، لكن حتى العام 1994 الرئيس الروسي بوريس يلتسين لم يكن قد انتقل لجلب الطفل الضال إلى الحظيرة الروسية.

شاهد أيضاً

تقرير: ثلثا مسلمي أمريكا تعرضوا لحوادث إسلاموفوبيا

أفاد تقرير حديث بأن ثلثي المسلمين في أمريكا تعرضوا لحوادث إسلاموفوبيا، أي الكراهية المرتبطة بالخوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *