فرنسا والنفخ في الذات

منذ طردها من الجزائر في بداية ستينيات القرن الماضي وافول نجم امبراطوريتها الاستعمارية ، ماتزال فرنسا تبحث لها عن مقعد بين الكبار دون ان يتحقق حلمها هذا رغم كل محاولاتها التي كثيرا ما استقطبت بسببها اضواء وسائل الاعلام العالمية.

كلنا يتذكر مواقف المسؤولين الفرنسيين في اطار المفاوضات النووية ، حيث كانوا اكثر تطرفا من الامريكيين و حتى “الاسرائيليين” ، من البرنامج النووي الايراني السلمي ، وقد اوصلت هذه المواقف المفاوضات في اكثر من مرة الى طريق مسدود بسبب تلك المواقف الاستعراضية التي سلطت الاضواء اعلاميا على الوفد الفرنسي من بين كل وفود الدول التي شاركت في المفاوضات وهي وفود ايران وامريكا وبريطانيا والمانيا والصين وروسيا.

اليوم وفي ظل الضجة التي افتعلها الغرب بزعامة امريكا على خلفية اصرار سوريا وحلفائها على انقاذ العاصمة السورية دمشق من العصابات التكفيرية في الغوطة الشرقية التي تحولت الى خنجر في خاصرة العاصمة يهدد امنها واستقرارها وحياة ابنائها ، نرى ان اعلى صوت من بين جميع الاصوات ، ومن بينها الصوت الامريكي، التي تحاول وقف عملية تحرير الغوطة من الارهابيين ، هو صوت فرنسا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هدد قبل ايام انه سيأمر بتوجيه ضربات ضد سوريا اذا ما تأكد له استخدام الجيش السوري اسلحة كيمياوية ، كما طالب في اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني حسن روحاني ، بالضغط على الحكومة السورية لإنهاء الهجمات على منطقة الغوطة الشرقية والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إليها.

قبل ذلك دعا لودريان إلى انسحاب كافة القوات الحليفة للنظام السوري ، التي قدمت الالاف من القتلى في تصديها ل”داعش” والجماعات التكفيرية ، الى الانسحاب من سوريا.

الملفت والطريف ان لودريان عندما تحدث عن انسحاب القوات التي قاتلت “داعش” والقاعدة من سوريا ، كان يرد على سوال لقناة “بي أف أم تي في” الفرنسية ، حول موقف باريس من الاعتداءات التركية ضد سوريا وتوغل الجيش التركي في الاراضي السورية في اطار عملية “غصن الزيتون”!!.

في اطار هذه المواقف الفرنسية التي ذكرناها يمكن الاشارة ايضا الى تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية انييس فون در مول ، التي دعت ايران الى ان تساهم “بشكل ايجابي في حل الازمات في الشرق الاوسط عبر احترام سيادة الدول”!!.

تصريحات ومواقف المسؤولين الفرنسيين ، التي مررنا على بعض منها ، ازاء ما يجري في الغوطة الشرقية لدمشق ، تعتبر في غاية السخف ، فقد فات هؤلاء المسؤولين ان العالم كله ليس امريكا او بعض الرجعيات العربية التي تطرب عندما تسمع مثل هذه التصريحات ، فهناك دول وشعوب ترد على هؤلاء المسؤولين بالقول : اين انتم ازاء ما يجري في اليمن من مأساة سيبقى عارها يلاحق الانسانية الى الابد ؟، اين انتم من الهجوم التركي على عفرين السورية وقتل الالاف من ابنائها بشهادة قادة الجيش التركي؟، هل هو ضمير يغط في نوم عميق ولا يصحو الا عندما يحاول الجيش السوري انقاذ عاصمته واهلها من تهديدات ودنس التكفيريين الارهابيين؟ ، كنا نتمنى من ماكرون ولودريان وغيرهما ان يمارسوا الضغوط على السعودية وتركيا لوقف عدوانهما على الشعبين اليمني والسوري؟.

اما دعوة فرنسا لايران ان “تتصرف بشكل ايجابي لحل الازمات في الشرق الاوسط عبر احترام سيادة الدول”!! ، فهي دعوة اسخف بكثير من سابقاتها ، فالراي العام العالمي يمكن ببساطة ان يرد على هذا الصلف الفرنسي بالقول : من الذي لا يحترم سيادة الدول ، السعودية التي تقتل الشعب اليمني منذ اكثر من ثلاث سنوات ليلا ونهارا بالصواريخ والطائرات والاسلحة المحرمة دوليا ، ام ايران التي كانت ومازالت تدعو الى احترام سيادة اليمن ووقف الحرب  وتقديم المساعدات الانسانية العاجلة للشعب اليمني؟ . من الذي ينتهك سيادة سوريا ويرسل المئات من الدبابات والمدرعات والاف من الجنود ، لتغزو سوريا وقتل الالاف من  السوريين بجريرة انهم من الاكراد، تركيا ام ايران التي ارسلت مستشاريها الى سوريا بطلب من الحكومة السورية المعترفة بها دوليا لمحاربة الارهاب التكفيري المدعوم من امريكا والغرب؟.

ان التصريحات ذات النبرة العالية التي كثيرا ما نسمعها من المسؤولين الفرنسيين ، على هامش اي ازمة دولية ، خاصة تلك التي يصطنعها الغرب لاضعاف محور المقاومة ، ليست سوى هذيان يأتي في اطار عملية النفخ المستمرة في الذات التي يقوم بها هؤلاء المسؤولون ، لاظهار فرنسا بحجم اكبر من حجمها الحقيقي ، الا نه كثيرا ما يرتد سلبا على فرنسا التي يتضاءل حجمها يوما بعد يوم.

إنتهى

شاهد أيضاً

داعش خراسان

داعش خراسان.. أضعف مما تبدو للعلن

السياسة – شفقنا العربي: منذ العملية الانتحارية التي استهدفت مطار كابول الدولي في أغسطس عام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *