قبیلة الرحمة: مبشّر و خاتم

إن آخر نبي لبني اسرائيل، عيسى علیه السلام   يبشر بمجئ أحمد، نبي آخرالزمان. إن الهدف الرئيسي في الخارطة الإلهية العامة، و إرسال الرسل و إنزال الكتب، هو دين الرسول الخاتم والرسول الخاتم شخصيا، و إن كلا من الأنبياء السابقين، كانوا بمثابة مقدمة مهدوا وسهلوا، لجعل البشرية جاهزة لتقبل «الدين المتكامل والرسول الخاتم.»

 

ووردت رواية في «البرهان»، ج 1، ص 460 مضمونها هو أن الرسول الخاتم كان الغاية النهائية منذ خلق جميع الأنبياء.1
وكانت البينة الجلية للنبي عيسى علیه السلام  ، هي البشرى بحلول فصل بعثة نبي آخر الزمان وظهور الدين المحمّدي المتكامل، وبالتالي نشأة الحكم الكوني الموعود على يد أحد أوصياء نبي الرحمة والشفقة أي محمّدبن عبدالله (ص) .
ولم يطق أشرار بني‌اسرائيل ذلك، وتنكروا للنبي عيسى علیه السلام   ليجربوا لعنةالله و ينزلوا إلى آخر درجة من التعاسة. وقد أجهز هؤلاء من منطلق الحقد والضغينة على أولياء الله، وسخروا كل طاقاتهم وأرصدتهم في سبيل الحد من تشكل و تحقق الإرادة الإلهية في نشأة حكومة الصلحاء.
يقول المغفور له العلامة طباطبائي حول عالمية رسالة عيسى علیه السلام   في ذيل الآية «وَ رَسُولاً إِلى‏ بَني‏ إِسْرائيل‏…»:
«إن ما يستشف من ظاهر الآية هو أن عيسى علیه السلام   كان مبعوثا لبني اسرائيل فحسب، مثلما أنه يستشف ذلك من الآيات المتعلقة بموسى علیه السلام  . و مع ذلك يتضح من تفسير «الآية 213 من سورة البقرة» بان عيسى علیه السلام   شأنه شأن موسى علیه السلام   كان من أنبياء أولوالعزم وبعث لجميع الناس في العالم. وإضافة إلى ذلك، فان ثمة أدلة أخرى أتي بها من القرآن وآيات سورة يس، من أن دين عيسى كان عالميا و ليس مختصا ببني اسرائيل، بل انه بعث من بين بني اسرائيل.»2
وقد بدأ بنواسرائيل النزاع والمواجهة مع الأنبياء الإلهيين، وبما أنهم كانوا استنادا إلى «التوراة» على علم بمجئ نبي آخرالزمان من ذرية اسماعيل علیه السلام  ، فانهم ركزوا جل اهتمامهم على حرف الدين الموسوي وجره إلى المسار الذي يبتغونه، أي الهيمنة و السلطوية وتأسيس الحكم العالمي الغاصب والحد من تحقق الوعد الإلهي ببعث نبي آخرالزمان والدين العالمي المتكامل.
و كان بنواسرائيل على علم بولادة عيسى علیه السلام   وحتى طريقة ولادته. لذلك فانهم تجاهلوا جميع الشواهد والأدلة، فاتهموا مريم المقدسة  بالبغي. وإن لم يكن عيسى علیه السلام   يتكلم في المهد لكان هؤلاء المشترعون المخادعون، يرجمون مريم المقدسة  أمام الملأ بجرم البغي.
إن قبول بني‌اسرائيل للنبي عيسى علیه السلام   كان بمثابة الإعتراف باخر فصل من نبوة بني‌اسرائيل و نهاية عهد فاعلية أنبياء بني‌اسرائيل وبالتالي الإمتثال لنبي آخرالزمان من ذرية اسماعيل علیه السلام   أي محمّد المصطفى (ص) . لذلك فان الكتاب السماوي «الانجيل» كان مبشرا ومصدقا لـ«التوارة» ومبشرا بمجئ أحمد (ص) .
إن النبي عيسى علیه السلام   وعلى الرغم من دعايات رجال الدين المسيحيين، كان إنسانا ثوريا ومعترضا على الأساليب الجائرة لعلماء الهيكل والفريسيين المخادعين. فانتقض ضد تعاطيهم الربا وممارستهم الظلم، و أربك عليهم عملهم و تعاطيهم بالربا. و بعض أقواله في هذا الخصوص هي:
«… تبا لكم أيها الكتبة والفريسيون المرائون، الذين تغلقون باب ملكوت السماء أمام الناس! لأنكم لا تدخلونها وتمنعون الداخلين من الدخول إليها. تبا لكم أيها الفريسيون المرائون! لانكم تبتلعون بيوت الأرامل وتطيلون في الصلاة رياء، لذلك فانكم ستلاقون عذابا أشد. تبا لكم أيها الكتبة والفريسيون المرائون! لأنكم تجوبون البر والبحر للعثور على مريد، وما أن عثرتهم عليه، تجعلونه ثانية درعا لجهنم.»3
إن اليهود المخادعين الذين رأوا الوجه الثوري لعيسى علیه السلام  ، تألبوا ضده. وأجروا مشاورات وصبوا جل سعيهم على إتهامه والبحث عن سبيل لمعاقبته على يد القادة العسكريين الرومان.
وجاب عيسى علیه السلام   والحواريون معه، البلاد مدينة مدينة و قرية قرية، و أدى واجبه و مهمته الإلهية بقوة، لكن دخوله إلى «أورشليم» زعزع دعائم عرش الفريسيين واليهود المتغطرسين ودفعهم للتواطؤ ضده.
وبعد وصوله إلى أورشليم توجه النبي عيسى علیه السلام   إلى «الهيكل» وعطل دكاكين الربا والمتجمعين في الهيكل وألقى موعظة لاذعة. وكل هذا كان كافيا لتواطؤ علماء اليهود والقبض عليه. وعندما أصبحت ملاحقة وإعتقال النبي عيسى علیه السلام   حتمية وقريبة وعلم أنهم سيعاملونه كمجرم، بذل آخر جهده من أجل الدفاع المسلح، لكنه لم يلق ردا مؤاتيا.
إن معاناة المسيح عيسى علیه السلام   في آخر أيام حياته بما فيها خيانة تلميذه يهودا له وإنكار بطرس ومحاكمته على يد اليهود بتهمة عدم الإيمان ومحاكمته لدى الحاكم الرومي بنطيوس بيلاطس بتهمة نقض القوانين المدنية وإدانته بالصلب، يميط اللثام عن علماء اليهود الذين كانوا غارقين في الفساد والضياع.
ومع ذلك فان المسيح علیه السلام   أتم الحجة على مجتمع بني‌اسرائيل حتى آخر لحظات من تواجده بين الناس؛
بشرّ بحلول فصل بعثة نبي آخر الزمان؛
أرسى أساس الدين الإلهي المسيحي ليكون خطا مميزا واعلان نهاية عهد فاعلية الدين الموسوي.

سلمة واحدة حتى السماء السابعة
لقد تم تداول رسالة وتراث الأنبياء السلف نبيا بعد نبي إلى أن وصلا إلى آخر الرسل، خاتم الأنبياء (ص) . وتم في «زيارة وارث» التعريف بهذه السلالة المقدسة و تراثها الحق.
و قد روى صفوان جمّال «زيارة وارث» عن الإمام الصادق علیه السلام  ، و كما يبدو من العنوان، فان الإمام علیه السلام   و أثناء زيارة أبي عبدالله الحسين علیه السلام  ، يعتبر الإمام الحسين علیه السلام   بانه وارث سلالة الأنبياء والأوصياء، و يقول في أول فقرة من هذه السلسلة:
«اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِاللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوح نَبِيِّاللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ اِبْراهيمَ خَليلِ اللهِ ….»
ففي الإنطباع الإلهي والإسلامي فان خلقة الكون مبنية على العلم والحكمة، بل أن أول مخلوق كان عالما و نبيا وحاملا لمهمة سماوية لهداية الناس، و حجةالله و الواعي بمنطلق و وجهة سير و سفر الانسان في الأرض.
إن الأديان التوحيدية والكلام الوحياني، يربطان منشأ وبداية الخلقة بالحكمة والنورانية والعلم، ويعتبران أن سير التطور يتحرك من الوجود العالي الى الوجود الداني. لذلك، فانه يتم في السلسلة التراتيبية، تعريف الحيوان والنبات وبعدهما الجماد في أسفل المراتب. و في هذه الرؤية فانه لامكان للإرتباك والصدفة والعبثية وانعدام الهدف، وأن كل وجزء الوجود، يقعان في جميع المراتب الروحية والمادية، في ظرف تقديراتهم ومقدراتهم المحددة، ويتجهان من بداية الوجود نحو الوجهة النهائية، لكي يتحقق المقصد النهائي لخالق الكون، الله المتعال في جميع المراتب.
إن الأولوية والأفضلية في هذه المنظومة الشريفة، تعود إلى الوجود العالي الذي يحوي و يحمل أطهر وأجدر وأعلى و أسمى مراتب الصفات المتعالية و أن الآخرين يقعون حسب تمتعهم بهذه الصفات في المراتب اللاحقة.
إن هذه المنظومة وهيكليتها ومراتبها، تحتضن الفطرة الطاهرة و العقل السليم.
إن الإعراض عن هذه المنظومة والتوجه نحو العلم المنقطع عن الإنطباع الوحياني، أي ما حلّ في الحقبة الغربية المعاصرة بالانسان، أدى إلى إنقلاب الرؤية و بالتالي إنقلاب في الثقافة وإنقلاب في العمل والسير في الأرض، أي تحول سير وسفر الأنفس والآفاق، من الباطن إلى الظاهر، من الكل إلى الجزء، من عالم الروح إلى عالم الجسم، وفي المراتب اللاحقة، فان السير من الظاهر إلى الظاهر، طال أبناء البشرية.
إن الأديان التوحيدية التي عرفت الانسان على أنه كائن ذي نشأة إلهية ونابع من زلال الحكمة الرحمانية، أماطت قبل كل شئ اللثام عن الهوية الحقيقية للانسان، حتى يستند الإنسان إلى هذه الهوية ولا يخرج في مسار سلسلة الأنبياء والرسل عن الفطرة الإلهية الطاهرة، ويرتقي السلالم حتى تجربة أعلى مراتب الكمال. إن أدعية وزيارات مثل «دعاء الندبة» وفضلا عن أنها تذكرّ الانسان بداية بهذه الهوية الحقيقية، تعرف سلسلة الأنبياء والرسل، و تكشف عن المنعطفات، و تتحدث عن المقصد والوجهة، أي غلبةالدين الكامل على جميع الملل والنحل «تُظهر دينهُ عَلى الدين كُلهِ» وتبشر بحلول فصل تأسيس الدولة الكريمة العادلة تحت لواء الإمام المبين الحق، وتكشف النقاب عن مصير هذا السير والسفر وتمحو إلى الأبد الحيرة والإنفعال عن ساحة الحياة الفردية والاجتماعية للبشرية.
إن «دعاء الندبة» إذ يشير إلى فصل حضور و حياة النبي الأكرم (ص)  و دورة فاعلية الشريعة المحمّدية، يصفه بانه صفوة المصطفين من بين جميع الأنبياء و الإصفياء الإلهيين. وأفضل جميع المنتجبين و أكرم المعتمدين ويذكرّ بتقدمه في الخلقة النورية.
وَ صَفْوَةَ مَنِ اصْطَفَيْتَهُ؛
وَ اَفْضَلَ مَنِ اجْتَبَيْتَهُ؛
وَ اَكْرَمَ مَنِ اعْتَمَدْتَهُ؛
قَدَّمْتَهُ عَلى اَنْبِيائِك؛
وَ بَعَثْتَهُ اِلَى الثَّقَلَيْنِ مِنْ عِبادِكَ؛
وَ اَوْطَأتَهُ مَشارِقَكَ وَمَغارِبَكَ؛
وَ سَخَّرْتَ لَهُ الْبُراقَ؛
وَ عَرَجْتَ (به) بِرُوْحِهِ اِلى سَمائِكَ؛
وَ اَوْدَعْتَهُ عِلْمَ ما كانَ وَما يَكُونُ اِلَى انْقِضاءِ خَلْقِكَ، ثُمَّ نَصَرْتَهُ بِالرُّعْبِ، وَحَفَفْتَهُ بِجَبْرَئيلَ وَميكائيلَ وَالْمُسَوِّمينَ مِنْ مَلائِكَتِكَ وَوَعَدْتَهُ؛
اَنْ تُظْهِرَ دينَهُ عَلَى الدّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ؛
وَ ذلِكَ بَعْدَ اَنْ بَوَّأتَهُ مَبَوَّأَ صِدْقٍ مِنْ اَهْلِهِ، وَجَعَلْتَ لَهُ وَ لَهُمْ اَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمينَ، فيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ اِبْراهيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، وَ قُلْتَ:
اِنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً»4
ثُمَّ جَعَلْتَ اَجْرَ محمّد صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَوَدَّتَهُمْ في كِتابِكَ فَقُلْتَ:
قُلْ لااَسْاَلُكُمْ عَلَيْهِ اَجْراً اِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبى.

خاتم الاوصیاء
إن تقديم سبيل‌الله و باب‌الله لسلوك الطريق إلى الله، بعد بعثة خاتم الأنبياء محمّد (ص) ، يشكل أعلى فصل من دورة حياة الرسول الأكرم (ص) . وقد اعتبرالله تعالى في «واقعة الغدير»، هذا الفصل، بانه القسم الأخير والمكمل للدين، بل اعتبر عدم إبلاغه بمثابة عدم إكتمال رسالة النبي (ص) . لسبب أن ذلك اليوم يسمى عيدالله الأكبر، لانه ومع اختتام سلسلة إرسال الأنبياء وإنزال الكتب، لاإمكانية للسير إلىالله وتجربة الفلاح من دون اعلان ولاية وإمامة سلسلة أوصياء النبي الأكرم (ص) ، وأن البشرية تصاب بالضلال في برهوت الترديد و تهلك.
و يجب النظر إلى موضوع إكمال الدين وإعلان ولاية و إمامة وصي رسول الله (ص)  نسبة إلى الموضوعات التالية:
مجموعة الخارطة الإلهية العامة وضرورة تحققها لتجربة أسمى مراتب التقرب إلى الله ورحمة الله الواسعة؛
الملك الإلهي العظيم في آخر الزمان وبعد الظهور الأكبر لإمام العصر والزمان. في حين أن مجمل قوى ابليس اللعين وجنوده، تستهلك للحد من هذه الامور المهمة.
«الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.»5
وقد طرح علماء الشيعة والسنة حول زمان نزول هذا الجزء من الآية، قولان فحسب: نزولها في حجة الوداع، في يوم عرفة و نزولها في «غدير خم.»
و قال أبوسعيد الخدري و جابر الأنصاري:
أن رسول الله (ص)  لما نزلت عليه هذه الآية، قال «الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة، و رضا الرب برسالتي و ولاية عليّ‌بن أبي‌طالب من بعدي.»6
وقد بلغ «دعاء الندبة» أرفع وأهم المواقع في وصف إعلان ولاية وإمامة عليّ بن أبي‌طالب  علیه السلام   ويشير إلى النبي الأكرم (ص) :
«فَقالَ وَ الْمَلأُ اَمامَهُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ اَللّـهُمَّ والِ مَنْ والاهُ وَ عادِ مَنْ عاداهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَقالَ: مَنْ كُنْتُ اَنَا نَبِيَّهُ فَعَلِيٌّ اَميرُهُ، وَ قالَ اَنَا وَ عَلِيٌّ مِنْ شَجَرَة واحِدَة وَ سائِرُالنَّاسِ مِنْ شَجَر شَتّى، وَ اَحَلَّهُ مَحَلَّ هارُونَ مِنْ مُوسى، فَقال لَهُ اَنْتَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسى الّا اَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدي، وَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ سَيِّدَةَ نِساءِ الْعالَمينَ، وَاَحَلَّ لَهُ مِنْ مَسْجِدِهِ ما حَلَّ لَهُ، وَ سَدَّ الاْبْوابَ اِلاّ بابَهُ، ثُمَّ اَوْدَعَهُ عِلْمَهُ وَ حِكْمَتَهُ فَقالَ: اَنـَا مَدينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِىٌّ بابُها، فَمَنْ اَرادَ الْمَدينَةَ وَ الْحِكْمَةَ فَلْيَاْتِها مِنْ بابِها ….»7
وبعد إعلانه ولاية وإمامة علي أميرالمؤمنين علیه السلام  ، يدعو النبي الأكرم (ص)  بجملة، الله تعالى أن يوالي من يوالي الإمام وأن يعادي من يعاديه.
و لاشك في استجابة دعاء الرسول الأكرم (ص)  عندالله، كما رُفع ظرف الزمان من الدعاء، ليكون الدعاء على امتداد الزمان، يغطي جميع موالي ومعادي أميرالمؤمنين علي علیه السلام   وأوصيائه من بعده.
واستنادا إلى الروايات، فان المعصومين الأربعة عشر يحملون حقيقة واحدة وبتعبير آخر «كُلُهم نور واحِد.» وكلهم تجسيد كامل للصفات الإلهية وكل حسب الظروف التاريخية والزمنية، تحلوا بمظهر خاص. إن الأئمة هم نور واحد و هذا يعود لسبب أنهم موحدون في الصفات والأفعال والأقوال.
لذلك نقل في رواية عن الإمام علي علیه السلام   قوله:
«كلنا واحد، أولنا محمّد وآخرنا محمّد و أوسطنا محمّد وكلنا محمّد فلاتفرقوا بيننا.»8
وبعد هذه التوصيفات التي تظهر كلها مقام ومنزلة المعصومين، يتطرق دعاء الندبة إلى آخر مشهد من الحياة التاريخية للبشرية، وآخر فصل من الحياة ما قبل قيام القيامة الكبرى وآخر ذخيرة إلهية، أي آخر وصيّ لخاتم النبيين (ص)  ومن ثم يصف خصائص الإمام المهدي أرواحنا له الفداء.
إن التساؤلات المتتالية والبحث بيتا بيتا لدعاء الندبة، لمعرفة الإمام علیه السلام   هي أسئلة حول أوجه ومصاديق الظلم الممارس والجاري في العلاقات بين الناس.
إن الدعاء يلفت من وجهة نظر تساؤلية وناقدة، إنتباه المرء إلى الظروف الظالمة التي يسير فيها، الظروف التي تتطلب معالجتها، الرجوع إلى الإمام وعودة الإمام وزوال ستر الغيبة.
إن جل اهتمام «دعاء الندبة» منصب على دفع المؤمنين إلى التفكير حول العالم الذي يسيرون فيه و كل ما يحيط بهم. وبما أن تكليف الإمام والولي المنصوب من قبل الحق، ليس الذهاب نحو الناس، إن ما يدفع الناس للعمل بواجبهم، والتحرك نحو الإمام هو التساؤل.
وقالت السيدة فاطمة الزهراء: لقد قال رسول الله (ص) :
«مَثَلُ الْإِمَامِ مَثَلُ الْكَعْبَةِ إِذْ تُؤْتَى وَ لَا تَأْتِي.»9
إن الناس مكلفون بان يأتوا الإمام ويتحركون حوله. إن الكعبة لا تأتي نحو الناس. إن حقيقة الكعبة، هي الإمام.
إن مثل الناس، كمثل جماعة تورطت في صحراء قاحلة وملوثة، وهم يفكرون بمواصلة البقاء وتسهيل ظروف الصحراء بدلا من العمل على ايجاد مخرج للوضع الطارئ.
إن العيش في عصر غيبة الحجة، هو العيش القسري في صحراء عفنة، لا ماء فيها ولا نبات وان من واجب المسلمين هو العمل و بذل الجهد للخروج من إضطرار الصحراء والنجاة منها.
و في وقت غلبة الثقافة والحضارة الملحدة والمشركة التي ما هي سوى الحياة المادية والثقافية المدنسة، فان المسلمين في «الشرق الإسلامي» قد تخلوا عن المجاهدة، بل يفكرون بالعيش في أجواء هذا المجال العفن و القائم على أسس الشرك والكفر والنفاق ويسعون من خلال علمنة الدين وأسلمة الغرب، لتمهيد الظروف السائدة والغفلة عن الحياة الطيبة.
وثمة جماعة تسعى للخروج من هذه البيداء الثقافية والحضارية، تخلت بطيش عن الإمام الهادي والأمين في المحتجز واستندت إلى مفروضاتها لتسعى، و لاتتحدث عن الإمام المحتجز. إن التخلص من الصحراء الحارقة، رهن بدرك ظروف الصحراء والاضطرار الذي يستولي على الحياة الثقافية والمادية للناس، لذلك وكاول خطوة، يتعين السير على خطى الإمام و دعوة الإمام والطلب منه.
إن البحث الواعي والمخلص، رهن بمعرفة الإمام. و من منطلق هذه المعرفة يتضح نطاق ومدى وعمق الحياة الصحراوية القسرية، و يُفهم بان تجاوز هذه الظروف، غير ممكن من دون حضور الإمام ومن دون الإستعانة بالإمام وعمل هذا الإمام المعصوم والمنصب من جانب الحق. و في هذه الحالة، فان الأكلة الصحراوية و بسبب العيش القسري، ستكون بقدر أكل الميتة.
عندما تُرفع الأيدي المضطرة إلى السماء تاركة ما سوى الله و تبتهل إلى الباري كالغريق الذي يواجه طوفانا، فتصل يد المُغيث و المجيب و تنقذ الغريق من كل هذا البلاء و الإبتلاء.
«أَمَّنْ يُجيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ.»10

الهوامش:
1. «التاريخ المنسي»، ص 78.
2. «تفسير الميزان»، طباطبائي، سيدمحمّدحسين، ج 17، ص 84.
3. «متى» 23: 1 36؛ «لوقا» 11: 39 54؛ «التعرف على الأديان الكبرى»، حسين توفيقي، صص 119 و 120.
4. آية التطهير، سورة الأحزاب (33)، الآية 33.
5. سورة المائدة (5)، الآية 3.
6. «الغدير»، العلامة الأميني، ج 1، ص 230.
7. «مفاتيح الجنان»، دعاء الندبة.
8. «بحارالأنوار»، ج 36، ص 5.
9. «بحارالأنوار»، ج 36، ص 353.
10. سورة النمل (27)، الآية 62.

المصدر: قبيلة الرحمة (الخارطة الإلهية العامة في دعاء الندبة)، اسماعیل شفيعي سروستاني، ترجمة: کاظم شماعیان، الطهران، موعود، الطّبعَة الأولی، 1435 هـ- 2014 م.، صص 51-112؛ بالتخلیص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *