دور الیهود المتخفین في تحریف الإسلام 2

یوسف رشاد
الیهود المتخفون ممن أسلموا خُفیة
اختار الله تعالی «المدینة النبویة» کدار هجرة لنبیه ومصطفاه محمد بن عبدالله. فعن أبی موسی – عن النبی – قال: «رأیت فی المنام أنی أهاجر من «مکة» إلی أرض بها نخل. فذهب وَهَلِیِ إلی أنها الیمامة أو هَجَر. فإذا هی المدینة، «یثرب»…»1

وکانت حالة یثرب یشوبها القلق والإضطراب وذلک نتیجة طبیعیة لما کان بین الأوس والخزرج من الإقتتال والحروب التی أنهکت کاهل هؤلاء الأعراب ومعهم حلفاؤهم من الیهود وکانت آخر تلک المعارک «یوم بعاث»، ولذلک کانت الأجواء مُهیأة لاستقبال دعوة رسول الله ومتعطشة لهذا الدین الجدید وذلک لعدة أسباب:
1. أن الله عزوجل اختار هؤلاء القوم لیکونوا أنصار رسول الله. فکما اختار سبحانه وتعالی تلک البقعة الطاهرة لتکون مأوی ومهاجر نبیه ومصطفاه اختار أیضا أنصاره أن یکونوا من نفس المدینة.
2. أن الأوس والخزرج وهم مجموع الأنصار أسلموا وحَسُن إسلامهم، کانوا ینشدون الأمن والسلام بعد الحروب الطاحنة التی دارت بینهم وکانوا یتطلعون إلی الهدوء النفسی والسکینة والاستقرار، فوجدوا ذلک فی دعوة النبی وفی هذا الدین العظیم. فأسلموا وجوههم ونفوسهم لله تعالی عن إیمان تام ورضا مطلق وتسلیم کامل…
3. أنهم کانوا قد سمعوا بخروج النبی فی ذلک الزمان وکان الیهود یخبرونهم بذلک.
وهکذا آمن العرب من أهل المدینة بالنبی وکفر به الیهود. ولذلک أسلم کثیر من یهود المدینة تقیة أی: أبطنوا الکفر وأظهروا الإسلام. فتبعهم بعض من فی قلوبهم مرض من أعراب المدینة وکان علی رأس هؤلاء المنافقین عبدالله بن أُبَیِّ بن سلول، وکان رأس المنافقین ورئیس الخزرج والأوس أیضا، وکانوا قد أجمعوا علی أن یُملّکوه علیهم فی الجاهلیة، فلما هداهم الله للإسلام قبل ذلک، شرَّق اللعین بریقه وغاظة ذلک جداً.
قد سمّی ابن اسحاق فی السیرة النبویة العدید من أسماء المنافقین ممن تأثروا بالیهود الذین أظهروا الإسلام وأبطنوا الکفر، منهم جُلاس بن سوید، ابن الصامت وأخوه الحارث بن سوید من بنی حبیب بن عمرو بن عوف، بجاد ابن عثمان بن عامر من بنی صُبیعة بن یزید بن مالک بن عوف و غیرهم ممن انضاف إلی یهود ممن نافقوا رسول الله وهم من الیهود المتخفین فی زی الإسلام… والإسلام منهم براء.2
وهؤلاء الیهود الذین أسلموا علی سبیل التقیة لیتسنی لهم الطعن فی الإسلام من داخله فکان یحضرون الصلوات فی «المسجد النبوی ویستمعون إلیه وکانوا کفارا فی الباطن.
وکان هؤلاء المنافقون (من الیهود) یحضرون المسجد، فیستمعون أحادیث المسلمین ویسخرون ویستهزئون بدینهم. وهؤلاء کانوا من الیهود الذین أظهروا الإسلام وأبطنوا یهودیتهم وکفرهم… أما الذین أظهروا عداوتهم صراحة دون أن یعلنوا إسلامهم فکانوا کُثر وقد أکد ابن إسحاق العدید من القبائل الیهودیة التی ناصبت النبی العداء منذ قدومه الشریف إلی المدینة النبویة.
ولکن الیهود أهل غدر وخیانة ونقض للعهود والمواثیق. یقول «القرآن الکریم» عنهم:
«الَّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ميثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُون‏»3
فلم یراعوا معاهدة أو موادعة مع المسلمین وظلوا علی خُلقهم الخبیث المتأصل فیهم ینفثون سمومهم وعداوتهم بین حین وآخر منذ قدوم الرسول الکریم إلی المدینة، ولقد عانی منهم رسول الله أشدَّ المعاناة. فکان یحلم علیهم ویصبر علی أذاهم ومکرهم وخداعهم وکان ملتزماً بالمعاهدة التی عقدها معهم ویتمسک بها کرغبة صادقة منه فی تطبیقها حرفیاً والوفاء بها إلی أبعد الحدود، فإن هؤلاء الیهود، دونما استثناء، کانوا لا تنسح لهم فرصة یرون أنهم قادرون فیها علی تسدید ضربة قاتلة إلی المسلمین وقائدهم إلا وحاولوا استغلالها وکأن لم یکن هناک بینهم وبین المسلمین عهد أو میثاق.

هل وفّی الیهود بالمعاهدة والتزموا بها؟
إن التاریخ الیهودی یؤکد علی أنهم لا یراعون عهداً ولایوفون بمیثاق، وأن الغدر والخیانة والکید والمکر هی صفات ملازمة لهذا الجنس الشریر أولیاء الشیطان وحزبه، وإذا ذُکِرت تلک الأوصاف ذُکِر الیهود. فإن شغفهم بنقض العهود والمواثیق سطّرته توراتهم نفسها التی بین أیدیهم الآن.
العدید من الآیات التی تدل دلالة واضحة علی نقضهم للعهود والمواثیق ومن ذلک قوله تعالی:
«فَبِما نَقْضِهِمْ ميثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَليلاً»4
فالیهود نقضوا عهودهم مع خالق السماوات والأرض، کما نقضوها مع رسله بداءًا من نبیهم موسی ومروراً بـداود وسلیمان وعیسی حتی آخر الأنبیاء والمرسلین سیدنا محمد. فلم یصبروا علی الوفاء بالعهد لأنهم لا یستطیعون ذلک، لأن نقضهم للعهود والمواثیق صفات لازمة فی الشخصیة الیهودیة وفی بنی إسرائیل منذ عهد موسی وحتی عصرنا الذی نعیش فیه.
من أجل ذلک ومن خلال تلک الصفات الردیئة والسیئة التی یحملها الیهود والملاصقة لهم علی مر العصور والأزمان لم یلتزم الیهود بالمعاهدة التی أبرمها الرسول معهم، بل سرعان ما نقضوها ولم یکتفوا بعدم الوفاء، بالتزاماتهم التی حددتها الوثیقة، بل وقفوا مواقف عدائیة مع المسلمین وقائدهم رسول الله ولم تدم تلک المعاهدة طویلا بل کانت أقصر مما نتصور، حیث کانت المعاهدة قد أُبرمت فی السنة الأولی من الهجرة ونقض الیهود العهد فی السنة الثانیة!!
و سنتطرق إلى دور اليهود في التراث الإسلامي في الرقم التالي إن شا ء الله .

الهوامش:
1. رواه بخاری فی کتاب «المناقب»، باب علامات النبوة/ 2622، ووَهَلی بفتح الواو والهاء أی: ظنّی.
2. راجع «سیرة ابن هشام»: 2/519 بتحقیق مصطفی السقا، إبراهیم الإبیاری وعبدالحفیظ شلبی.
3. سورة البقرة، الآیة 27.
4. سورة النساء، الآیة 155

شاهد أيضاً

‘إسرائيل’ تنزف ببطء.. هجرة معاكسة وأدمغة لا تعود

ترجّح التوقّعات الإحصائية والبحثية الإسرائيلية أن يتزايد التعداد السكاني للعرب إلى درجة تجعل نسبة اليهود …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *