السابع عشر من ربيع الأول ذكرى ميلاد النبي محمد (ص) والإمام الصادق (ع)

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم أحد الأنبياء من أولي العزم وخاتم النبيين. ولد في مكة عام الفيل 570م و توفي في المدينة المنورة سنة 11 هـ ق/ 632م. جاء بالقرآن الكريم الذي يعدّ معجزته التي تحدّى بها الأمم والشعوب على مرّ التاريخ مركزاّ دعوته على التوحيد ومكارم الأخلاق وتنظيم حياة الإنسان بما يكفل لها حياة حرّة وكريمة…

 

 

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم أحد الأنبياء من أولي العزم وخاتم النبيين. ولد في مكة عام الفيل 570م و توفي في المدينة المنورة سنة 11 هـ ق/ 632م. جاء بالقرآن الكريم الذي يعدّ معجزته التي تحدّى بها الأمم والشعوب على مرّ التاريخ مركزاّ دعوته على التوحيد ومكارم الأخلاق وتنظيم حياة الإنسان بما يكفل لها حياة حرّة وكريمة، وكان صلى الله عليه وآله وسلم حاكماً مقنناً ومصلحاً اجتماعياً وقائداً عسكرياً. ورغم ولادته صلى الله عليه وآله وسلم في مجتمع اتسم بـالشرك وعبادة الأصنام إلاّ أنّه لم يخضع لتلك الأوثان، ولم يعبد صنماً، ولم يشرك بالله تعالى طيلة حياته حتى بعثه الله تعالى وهو في الأربعين من عمره رسولاً يحمل أشرف رسالة وأنصع شريعة ترتكز على التوحيد الخالص لله تعالى؛ ليؤسس من خلالها مجتمعاً تسوده مكارم الأخلاق.
توسيط

ومع ما واجهه صلى الله عليه وآله وسلم والثلة المؤمنة معه من أقسى أنواع التعذيب والتنكيل والتهجير والنهب و… إلاّ أنّهم بقوا راسخي الأقدام لم تزعزعهم العواصف، ولم يفت في عضدهم شدّة المحنة وقساوة المواجهة.

وحينما بلغ عمر الدعوة الإسلامية ثلاثة عشر عاماً أمر- وتحت قساوة الظروف- بـالهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، فكانت هجرته هذه منطلقاً لتاريخ جديد وانعطافة كبرى في حياة الرسالة الإسلامية، حيث انتقل الصراع بعدها ما بين المشركين والمؤمنين إلى المواجهة العسكرية والصدامات المسلحة التي انتهت بنصر مؤزر للمؤمنين.

كان للدور الذي لعبه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والجهود الحثيثة التي بذلها وبمؤازرة المؤمنين من المهاجرين والأنصار الأثر الكبير في تحويل المجتمع الجاهلي– وبفترة قياسية- إلى مجتمع توحيدي تسوده المثل العليا والأخلاق السامية التي عمّت بشعاعها شبه الجزيرة العربية.

وقد تواصلت حركة الإسلام عبر العصور آخذاً بالانتشار في شتّى بقاع المعمورة حتى تحوّل الدين الإسلامي إلى دين عالمي قارب عدد معتنقيه المليار ونصف المليار إنسان.

ولم يكتف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالتخطيط للأجيال الإسلامية التي عاصرته، بل مهّد ورسم الخطط لمستقبل زاهر دعامته الاستناد إلى القرآن الكريم والعترة ومحدداً لهم القيادة الشرعية المتمثلة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام– كما حدث في واقعة الغدير- طالباً من المسلمين التمسّك بها والانتهال من نمير علمها والاستناره بهديها.

طفولة النبي محمد (ص)

كان صلى الله عليه وآله وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكر ليس له راحة، طويل الصمت لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا ليس بالجافى ولا بالمهين، يعظم عنده النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا غير أنه كان لا يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضيه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له، إذا أشار أشار بكفه كلّها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وانشاح، وإذا غضب غض طرفه جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام.

حياته وسيرته

تطرقت المصادر التاريخية والحديثية إلى الكثير من تفاصيل حياته صلى الله عليه وآله وسلم حتى خاضت في أدق جزئيات حياته الشخصية التي هي خارج إطار المادة التاريخية، مما وفّر لنا موسوعة كبرى حافلة بالمعلومات بنحو لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء والأوصياء. إلاّ أن ذلك لا يعني خلوّ المعلومة التاريخية من بعض التضارب والتهافت هنا أو هناك التي يمكن للباحث الحصيف رصدها وتمييز الأمور الحقة منها.

(روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: نحن معاشر الأنبياء والامناء والأتقياء براء من التكلف.الطباطبائي، سنن النبي، ص129.)

من الولادة إلى البعثة

نسبه، كنيته وألقابه

هو: مُـحـمّـد بـن عـبـداللّه بن عبدالمطّلب (شَيبة الحمد، عامر) بن هاشم (عَمرو العُلى) بن عبد مَناف (مُـغيرة) بن قُصَيّ (زيد) بن كلاب (حكيم) بن مُرّة بن كَعب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهر (قريش) بن مالك بن نَضر (قَيس) بن كنانة بن خُزَيمة بن مُدركة (عمرو) بن الياس بن مضر بن نِزار (خلدان) بن مَعَدّ بن عدنان (عليهم السلام).

أمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. ولمّا بلغ السادسة وثلاثة أشهر من عمره وقيل الرابعة من عمره، رافق أمّه آمنة في سفرة ودّية إلى يثرب (المدينة) لزيارة أخواله من بني عدي بن النجار – للمصاهرة بين عبد المطلب وبينهم -.. وحينما قفلوا راجعين. توفيت آمنة في منزل الأبواء ودفنت هناك.

وقد أجمعت الشيعة ـ كما ذكر ذلك العلامة المجلسي- على إيمان عمه أبي طالب وأمّه آمنة بنت وهب وعبد الله بن عبد المطلب وسائر أجداد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى آدم عليه السلام.[١]

يكنّى صلى الله عليه وآله وسلم بـأبي القاسم وأبي إبراهيم.[٢]

ومن ألقابه صلى الله عليه وآله وسلم: المصطفی، حبيب الله، صفي الله، نعمة الله، خيرة خلق الله، سيّد المرسلین، خاتم النبيين، رحمة للعالمين، النبي الأمّي.[٣]

(كنت نبيا وآدم بين الماء والطين.الباقلاني، إعجاز القرآن: ص58؛ القاضي ابن البراج، جواهر الفقه: ص248.)

ولادته

ولادة النبي محمد (ص)

لم تذكر لنا المصادر التاريخية السنة التي ولد فيها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالتحديد، غير أنّ ابن هشام وغيره من المؤرخين ذكروا أنّ ولادته كانت في العام الذي هجم فيه أبرهة الحبشي على الكعبة والمعروف بـعام الفيل. ولكن هذا التحديد العام لا ينفع إلاّ من عاصروا الحادثة وعاشوها وعرفوا زمانها بالتحديد، وعليه لا يمكن تحديد تاريخ دقيق لولادته صلى الله عليه وآله وسلم، وان كان المستفاد من ضم تاريخ وفاته 632م ـ حسب المصادر التاريخية ـ إلى الثلاث والستين سنة التي عاشها، فيكون حاصل طرح الرقم الثاني من الأول 570 او569 ميلادية.[٤]

طفولة النبي محمد (ص)

نعم، المشهور بين الشيعة أنّ ولادته كانت في السابع عشر من ربيع الأوّل فيما ذهب مشهور أهل السنة إلى القول بأنّ ولادته كانت في الثاني عشر من ربيع الأول.[٥]طفولته

رصدت المصادر التاريخية الكثير من جزئيات طفولته إلاّ أنّ تمييز الوقائع الحقيقية منها تقتضي الرجوع إلى المصادر المعتبرة والقطعية الصدور كـالقرآن الكريم والسنّة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ القرآن الكريم لم يتحدث عن طفولته إلاّ بالنزر اليسير التي من ضمنها إشارته إلى حالة اليتم التي عاشها صلى الله عليه وآله وسلم.[٦]

(روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم .لسان الميزان، ابن حجر: ج6، ص274؛ الكليني، الكافي: ج1، ص23.)

لمّا شبَّ عبد الله، زوّجه والدُه عبد المطلب بـآمنة بنت وهب من بني زهرة، ولم تمض إلاّ مدة يسيرة حتى حملت آمنة بسيّد البريّة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حين أنّ والده عبد الله كان قد سافر في رحلة تجارية إلى الشام. فلما بلغ مدينة (يثرب) توفاه الله تعالى، فولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتيماً. ومنهم من ذهب إلى القول بأنه صلى الله عليه وآله وسلم ولد إبّان حياة أبية.

وحيث كان من عادة المكيين أن يطلبوا لأبنائهم مراضع من أهل البادية فقد اتخذ جدّه عبد المطلب- الذي تكفل بالنبي بعد وفاة أبيه- امرأة عربية لتكون مرضعةً ومربيةً له. تلك هي حليمة السعدية. ودرج الطفل في أحضان بني سعد فترة. ولما بلغ السادسة من عمره، رافق أمه آمنة في سفرها إلى المدينة، وحينما قفلوا راجعين توفيت آمنة في منزل الأبواء تاركة ابنها الوحيد يتيم الأبوين.

ولما بلغ الثامنة توفّي عبد المطلب جدّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكفيله، وترك كفالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمّه أبي طالب عليه السلام.[٧] فكان أبو طالب عليه السلام بمثابة والدٍ حنون يرى في رعاية ابن أخيه إطاعةً لأمر أبيه عبد المطلب، وعملاً بوظيفته الإنسانية، تساعده في ذلك تلك المرأة الجليلة فاطمة بنت أسد التي قال صلى الله عليه وآله وسلم يوم وفاتها: «اليوم ماتت أمِّي، تجيع أولادها وتطعمني وتشعثهم وتدهنني، وما أحسست باليتم منذ أن التجأت إليها. وشهد جنازتها فصلَّى عليها وكفَّنها قميصه ليدرأ عنها هوامَّ القبر، ونزل في قبرها لتأمن ضغطته».[٨]

رحلته الأولى إلى الشام

ذكر المؤرخون أنّه صلى الله عليه وآله وسلم سافر مع عمّه أبي طالب عليه السلام حينما كان صغيراً وبالقرب من مدينة بصرى القديمة، كانت تقوم صومعة يسكن فيها عابدٌ مسيحيّ اسمه بُحيرا وحينما وصلت قريش إلى رحاب الصومعة، قال بحيرا لعمّه أبي طالب عليه السلام: «إنه كائن لابن أخيك هذا شأنٌ عظيمٌ، نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا سيّدُ العالمين، هذا رسولُ رب العالمين، يبعثه رحمة للعالمين. إحذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليقصدنّ قتله».

روي أنّ بحيرا الراهب قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا غلام اسألك بحق اللات والعزى إلاّ أخبرتني عما اسألك، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسألنِي باللات والعُزّى فواللّه ما ابغضتُ شيئاً بغضهُما».[٩]

حلف الفضول

من الحوادث التاريخية المهمة التي عاصرها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قبل زواجه وعاش أحداثها هي مشاركته صلى الله عليه وآله وسلمفي حلف يسمى بـحلف الفضول حيث كان عمره الشريف آنذاك عشرين سنة، فقد اجتمع بنو هاشم، وزهرة، وتيم، وعاهدوا الله المنتقم الجبار أن يكونوا مع المظلوم، حتى يأخذوا حقّه ممن ظلمه. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعتز كثيراً بهذا الحدث التاريخي المهم حتى قال فيه: «ما أحب أن يكون لي بحلف حضرته في دار ابن جَدْعان حُمُر النعم».[١٠]

(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «حُسنُ الخُلقِ وحُسنُ الجَوارِ يَعمرانِ الديارِ».الدرّ المنثور ج 2، ص 76.)

مواصفاته

كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله فخماً مفخّماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر أطول من المربوع، وأقصر من المشنّب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن تفرقت عقيقته فرّق، وإلَّا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفّره، أزهر اللَّون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب، سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدرّه الغضب له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشمّ. كثّ اللَّحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، مفلَّج، أشنب، مفلَّج الأسنان، دقيق المسرية، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا سواء البطن والصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، عريض الصدر، أنور المتجرد، موصول ما بين اللَّبة والسرة بشعر يجرى كالخطَّ، عارى الثّديين والبطن ممّا سوى ذلك. أشعر الذراعين، والمنكبين، وأعلى الصّدر، طويل الزندين، رحب الرّاحة شثن الكفّين، والقدمين. سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين، فسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفؤا، ويمشى هونا ذريع المشية، إذا مشى كأنّما ينحطَّ في صبب، وإذا التفت، التفت جميعا. خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يبدر من لقيه بالسّلام. [١١]

المربوع : بين القصير والطويل .
المشذب : الطويل المهزول .
الهامة : الرأس – الجثة .
الرجل ( بفتح الراء وكسر الجيم ) من الشعر : ما بين الجعودة والاسترسال .
العقيقة : الشعر المجتمع في الرأس، وفي بعض النسخ: العقيصة وهي ضفيرة الشعر .
أزهر اللون : نير اللون .
أزج الحواجب : الطويل الدقيق .
كان مقرون الحاجبين متصل الشعر .
عرق يدره الغضب : يملاه الدم .
العرنين ( بكسر العين وسكون الراء ) الأنف كله ، أو ما صلب منه .
الأشم : من ارتفع أعلى أنفه .
ضليع الفم : عظيم الفم ، وهو ممدوح .
الأشنب : أبيض الأسنان .
مفلج الأسنان : الذي تباعد أسنانه وتكون فرجة بينها .
دقيق المسربة : الذي استدق شعره الممتد من لبته إلى سرته .
الدمية (بضم الدال وسكون الميم ) : الصور المزينة فيها حمرة كالدم – الصنم .
البادن : عظيم الجسم ، قال المجلسي قدس سره في ” البحار ” : بادن متماسك ، معناه تام خلق

الأعضاء ليس بمسترخي اللحم ولا بكثيره .

سواء البطن والصدر : معناه أن بطنه ضامر ، وصدره عريض فمن هذه الجهة تساوى بطنه صدره .

أولاد النبي محمد (ص)

ولد له من خديجة: القاسم وعبد الله وهما الطّاهر والطيّب، وأربع بنات، زينت ورقيّة واُمّ كلثوم وهي آمنة وفاطمة عليها السلام وهي اُمّ أبيها، ولم يكن له ولد من غيرها إلاّ إبراهيم من مارية القبطية ولد بعالية. ويقال: ولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة ومات بها، وله سنة وعشرة أشهر وقبره بـالبقيع.

ولم يبق من أولاده سوى فاطمة عليه السلام التي كانت ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها. أمّا زينب فقد توفيت في السنة الثامنة في المدينة، وتوفيت رقية في السنة الثانية في المدينة أيضاً، فيما توفيت أمّ كلثوم في السنة التاسعة في المدينة، وتوفي عبد الله بعد البعثة مباشرة في مكة المكرمة.[١٢]

بناء الكعبة ونصب الحجر الأسود

(روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: أول ما يوزن في الميزان “الخلق الحسن “، وإنّ الله يبغض الفاحش البذي .وسائل الشيعة ج 9 ص 442.)

من الحوادث المشهورة التي عاشها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة قضية بناء الكعبة واختلاف سادة قريش في وضع الحجر الأسود، وذلك: إن قريشاً في الجاهلية هدموا البيت، وإنّما هدموها؛ لأن السيل كان يأتيهم من أعالي الجبال المحيطة بمكة، فيدخلها فانصدعت، وكان ذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنين… فلمّا بلغ البناء إلى موضع الحجر الأسود، اختلفت قريش وتشاجرت في وضعه، أيّهم يضع الحجر الأسود في موضعه، فكل قبيلة تقول: نحن أولى به، ونحن نضعه، حتى كاد الشر أن يقع بينهم، وأخيراّ اتفقوا وتراضوا بتحكيم وقضاء أوّل داخل عليهم من باب بني شيبة، فأطلّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودخل عليهم. فقالوا جميعاً: هذا الأمين قد جاء فحكّموه، فأخبروه بخبرهم وطلبوا منه أن يحكم بينهم، فتقدم صلى الله عليه وآله وسلم وبسط رداءه على الأرض، ووضع الحجر فيه ثم قال: «يأتي من كلّ ربع من قريش رجل». فرفعوا جميعا الرداء الذي فيه الحجر إلى مستوى موضعه، ثم تناول صلى الله عليه وآله وسلم الحجر بيده ووضعه في موضعه.[١٣]

من البعثة إلى الهجرة

ذهب مشهور الشيعة الإمامية إلى القول بأنّ بعثته صلى الله عليه وآله وسلم كانت في السابع والعشرين من شهر رجب.[١٤]توسيط

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة يخلو بـغار حراء يتحنث فيمكث فيه شهراً من كلّ سنة يطعم من جاءه من المساكين، فاذا قضى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوفُ به سبعاً أو ما شاء اللّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته.

حتى إذا كان الشهر الذي أراد اللّه تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه اللّه تعالى فيها، خرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره حتى إذا كانت الليلة التي اكرمه اللّه فيها برسالته جاءه جبرئيل عليه السلام بأمر اللّه تعالى، فقال له: «إقرأ». فقال له: «ما انا بقارئ»، فقال جبرائيل عليه السلام: «إقْرَ‌أْ بِاسْمِ رَ‌بِّكَ الَّذِي خَلَقَ».

وكان ذلك حسب مشهور المؤرخين في سن الأربعين من عمره الشريف.

فعاد صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيت من ليلته وكان في البيت هو صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة عليه السلام وعلي بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن حارثة.[١٥] فدعاهم إلى التوحيد والإيمان به فكان أوّل المؤمنين به زوجه خديجة ومن الرجال ابن عمّه علي بن أبي طالب عليه السلام.[١٦]

غير أن بعض المصادر التاريخية ذكرت أن أوّل من آمن من الرجال أبو بكر وزيد بن حارثة.[١٧] انظر: موضوع أوّل المسلمين.

ورغم محدودية الدعوة في السنين الاولى إلاّ ان المؤمنين برسالته كانوا في اطراد حتى اضطروا للخروج خارج شعاب مكة لأداء الصلاة هناك.[١٨]الدعوة العلنية

الدعوة العلنية

ذهب بعض الباحثين والمؤرخين إلى القول بأنّ الدعوة السرية استمرت ثلاث سنين أعلن بعدها عن بدء الإجهار بالدعوة والإعلان عنها؛ فيما رفض فريق آخر من الباحثين ذلك مدعياً أن الإجهار بالدعوة والإعلان عنها تمّ بعد بدء البعثة مباشرة وبفترة قصيرة.[١٩]

وكان أوّل شيءٍ شرع به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك بشتّى أنواعه، ثمّ شرّع لهم الصلاة ركعتين للمسافر والحاضرين معاً وبعد فترة اختص الحكم بالمسافرين فيما أصبح واجب الحاضرين الصلاة أربعة ركعات، وكان المسلمون يتخفّون عن أعين المشركين أثناء أدائهم للصلاة، ورويداً رويداً بدأ عدد المسلمين يزداد ويتوسع وجودهم في مكة.[٢٠] وقد ذكر مشهور المؤرخين والمفسرين أنّه ومع انتهاء السنة الثالثة من البعثة صدر الأمر الإلهي له صلى الله عليه وآله وسلم بالاعلان عن الدعوة في قوله تعالى: «وَأَنذِرْ‌ عَشِيرَ‌تَكَ الْأَقْرَ‌بِينَ* وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِ‌يءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ».

توسيط

وجاء في سيرة ابن إسحاق: لما نزلت الآيات المذكورة دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام وقال له: «اصنع لنا يا علي عليه السلام رجل شاة على صاع من طعام، وأعد لنا عسّ لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب»، فاجتمعوا له وهم يومئذ أربعون رجلاً أم ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الذي كان ممن كفر بدينه صلى الله عليه وآله وسلم، فقدّم لهم علي تلك الجفنة فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حذية فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، ثم قال: «كلوا باسم الله»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اسقهم يا علي عليه السلام»، فسقاهم بذلك القعب فشربوا حتى نهلوا جميعاً، وأيم الله– كما قال علي عليه السلام- إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لهم: «ما أشد ما سحركم صاحبكم!». فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلّما كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا علي عليه السلام عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشارب، فإنّ هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قبل أن أكلم القوم»، ففعل علي عليه السلام ذلك، ثم جمعهم له، فصنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهوا عنه، ثم شربوا من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وأيّم الله إن الرجل منهم ليأكل مثلها، ويشرب مثله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا بني عبد المطلب، والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة».[٢١] وأضاف الطبري: ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخى ووصيي وخليفتي فيكم؟» فأحجم القوم عنها جميعاً فقال علي عليه السلام: «أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي» ثمّ قال: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».[٢٢] وسجل القصة غيره من المؤرخين وأصحاب السير.[٢٣] وهكذا بدأ عدد المسلمين يزداد مما أثار حفيظة قريش وقلقهم فمشوا إلى عمّه وحاميه أبي طالب عليه السلام عارضين عليه عمارة بن الوليد ابن المغيرة، فقالوا له: «يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش– حسب زعمهم- وأشعره وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته واتخذه ولداً، فهو لك، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرّق جماعة قومك وسفّه أحلامهم فنقتله فإنما رجل كرجل!» فقال: «والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبداً».[٢٤]

وما كانت قريش لتؤذي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من ذلك وفقاً لقوانين قريش ومقرراتها وخشية من ردّة فعل بني هاشم، إلاّ أنّها صبّت جام غضبها على من اتبعه من المسلمين كـبلال وآل ياسر و…[٢٥]

(روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: لركعتان في جوف الليل أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها.الطباطبائي، سنن النبي، ص 288.)

ولمّا اشتدت المواجهة بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من جهة وبين المشركين من جهة أخرى جاء رؤساء قريش مرة ثانية إلى أبي طالب عليه السلام عارضين عليه الوساطة بينهم وبين ابن أخيه. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «واللّه لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ولكن يعطوني كلمةً يملكون بها العرب، وتدين لهم بها العجم، ويكونون ملوكاً في الجنّة». فقال له أبو طالب عليه السلام: «يا بن أخي، قل ما شئت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً».[٢٦]

وبهذا بدأ فصل جديد من أشدّ فصول حياته، وأكثرها متاعب ومصاعب؛ لأنّ قريشاً كانت لا تزال إلى ذلك الوقت تراعي حرمته وتوقره، وتتريث في مواجهته، ولكنها ما إن فشلت في مخططاتها لجرّه إلى مساومتها حتى غيرت نهجها واُسلوبها معه لتقف دون إنتشار دينه مهما كلّفها ذلك من ثمن مستفيدة في هذا السبيل من كلّ الوسائل الممكنة.[٢٧]

هجرة المسلمين إلى الحبشة

ولما فشلت مساعي قريش في التصدي للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وإيقاف حركته التبليغية لنشر الرسالة أخذت بتضييق الخناق عليه وعلى الثلّة المؤمنة معه معتمدة شتى الأساليب والطرق في ذلك، فوثبت كلّ قبيلة على من فيها من مستضعفي المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع وتركهم ورمضاء مكة وكيهم بالنار؛ ليفتنوهم عن دينهم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء قال: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فانّ بِها ملِكاً لا يُظلَمُ عِندهُ أحد وهي أرضُ صِدق حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه». فخرج المسلمون وتركوا أرضهم وأموالهم، مخافة الفتنة، وفراراّ إلى الله بدينهم.[٢٨]

(كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله يجلس بين ظهرانيّ أصحابه، فيجييء الغريب فلا يدري أيّهم هو. سنن النسائي: ج8، ص101؛ الطبرسي، مكارم الأخلاق: ص16.)

فعزّ على قريش أن يجد المهاجرون الفارون بدينهم من عذابها الأمان وطيب الإقامة، فبعثت وفداً مزوداً بالهدايا والتحف للنجاشي والبطارقة وحاشيته، وكان الوفد مؤلفاً من: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، وعندما وصلوا الحبشة قدموا إلى النجاشي هديته فقبلها منهم، ثم تحدثوا معه بالمهمة التي جاؤوا من أجلها، فأرسل النجاشي إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستدعاهم إليه، فلما حضروا مجلسه اتجه إليهم وقال: «ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟»، فتولّى الجواب عن المسلمين جعفر بن أبي طالب قائلاً: «أيّها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفّته، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات… فلمّا ضيّقوا علينا وعذبونا وقهرونا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أنّ لا نظلم عندك أيها الملك». فالتفت النجاشي إلى وفد قريش وقال لهم: «انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكم». فخرج عمرو بن العاص، ومن معه من مجلس النجاشي مقوضين، مردوداً عليهم ما جاؤوا به.[٢٩]

حصار بني هاشم

ولمّا فشلت مساعي قريش في الحد من توسّع الدعوة الإسلامية وفشل الوفد الذي أرسل إلى النجاشي أجمعت أمرها على مقاطعة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وكلّ من يؤازره من بني هاشم، وكتبوا صحيفة بشأن هذا القرار جاء فيها:

أن لا يبتاعوا من أنصار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا يبيعوهم شيئاً.
ان لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم.
أن لا يؤاكلوهم ولا يكلّموهم.
أن يكونوا يداً واحدة على «محمّد» وأنصاره.

وقد وقّعت الصحيفة الظالمة وعلقت في جوف الكعبة.

فجمع أبو طالب عليه السلام بني هاشم، وجعلهم في شِعْبٍ كان له في أطراف مكة، وبقوا هناك في أشدّ ما يكون من سوء العيش.[٣٠]

استمر حصار بني هاشم ما بين سنتين وثلاث سنين حتى نفد الطعام والأموال التي كانت بحوزتهم من أبي طالب عليه السلام وخديجة عليه السلام، ولقد اضطروا بعدها إلى أن يقتاتوا بورق الشجر، وكان صبيتهم يتضوعون جوعا، وبقي المسلمون في شعب أبي طالب عليه السلام يقاسون الجوع والحرمان لا يخرجون منه إلاّ في أيام الموسم، أو بما يمدّهم به بعض المعارضين للحصار، فقد روي أن حكيم بن حزام- ابن أخ خديجة- خرج يوماً ومعه شخص يحمل طعاماً إلى عمته خديجة بنت خويلد إذ لقيه أبو جهل فقال له: «تذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ واللّه لا تبرح أنت ولا طعامك حتى أفضحَك عند قريش بمكة». فقال له أبو البختريّ- وكان هو من المشركين: «تمنعه أن يرسل إلى عمته بطعام كان لها عنده؟».

فأبى أبو جهل أن يدعه إلاّ أن يأخذه إلى قريش، فقام إليه أبو البختري بساق بعير فضربه.

عند ذلك تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي وسواهم من قريش على هذا العمل المنكر (حصار بني هاشم) وسعوا إلى فك الحصار عن الهاشميين، واتفقوا أن يفدوا إلى أنديتهم، ويعلنوا رفض المقاطعة، وإنهاء الحصار.

وجاء في سيرة ابن هشام: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمّه أبي طالب عليه السلام: يا عم إنّ ربّي الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم يدع اسما إلاّ (هو الله)». فخرج أبو طالب عليه السلام إلى أندية قريش وقال: «يا معشر قريش إنّ ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلم إلى صحيفتكم، فإن كان كما قال ابن أخي، فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عمّا فيها، وإن يكن كاذبا دفعت إليكم ابن أخي»، فقال القوم بأجمعهم: «قد أنصفت ورضينا، وتعاقدوا على ذلك». وقام المطعم إلى الصحيفة وجاء بها وفتحت على مرأى من الجميع فإذا بها كما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على لسان عمّه أبي طالب عليه السلام، قد أكلت الأرضة جميع حروفها إلاّ (بسمك اللهم)، فمزقت الصحيفة ورفع الحصار عن بني هاشم.

الهجرة إلى المدينة

السفر إلى الطائف

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الضراعة والابتهال، دائم السؤال من الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب، ومكارم الأخلاق، فكان يقولفي دعائه: “اللهم حسن خلقي وخلقي”، ويقول: “اللهم جنبني منكرات الأخلاق”.الغزالي، إحياء علوم الدين: ج7، ص97؛ الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: ج1، ص23.)

وما إن رفع الحصار عن بني هاشم وخرجوا من الشعب حتى فقد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم اثنين من أشدّ مناصريه وداعميه المتمثلين بعمّه أبي طالب عليه السلام وزوجه خديجة عليه السلام في العام الذي أطلق عليه عام الحزن.

ولما لم يجد صلى الله عليه وآله وسلم من ينصره ويدافع عنه، ويمنعه خرج إلى الطائف، فعمد إلى ثقيف بـالطائف وتوجه إلى ساداتهم فما أجابوه إلاّ بالتهكم والسخرية اللاذعة، ولم يلق منهم أي سند ولا عون، فقفل صلى الله عليه وآله وسلم راجعاً من الطائف إلى مكة.

المدنية المنورة إبّان البعثة

ما إن فقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمل عن توفير الأرضية المناسبة للدعوة في الطائف حتى أخذ يفكر في مكان آخر يهاجر إليه، فكانت المدينة المنورة خياره الثاني بعد الطائف؛ وذلك أنّ المدينة وكما سجل ذلك بعض المؤرخين كانت تشهد بين الحين والآخر صراعاً بين اليهود وبين سكانها من المشركين العرب وكان أهل يثرب يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم أنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنّكم به يا معشر العرب، فكانوا مهيئين نفسياً لقبول الدين الذي جاء به الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

يضاف إلى ذلك الصراع الدامي بين القبائل القاطنة في المدينة وخاصة بين قبيلتي الآوس والخزرج حيث كانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم يوم بُعاث الذي قتل فيه الكثير من الطرفين، وملّ الطرفان الحرب، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكّة يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة فنزل عليه، فقال له: «إنّه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناك نطلب الحلف عليهم»، فقال له عتبة: «بعدت دارنا من داركم، ولنا شغل لا نتفرّغ لشيء»، قال: «وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟» قال له عتبة: «خرج فينا رجل يدّعي أنّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وأفسد شبّاننا»، فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود.

وكانت الأوس والخزرج قد اتفقتا على أن تجعلا عبد اللّه بن أبي بن سلول زعيما للقبيلتين وذلك لعدم مشاركته في هذه الوقعة حيث كان موضع احترام من القبيلتين وأعدوا له تاجاً يتوّجونه به، حتى يصبح أميراً في وقتِ معيّن.

لقاء النبي مع وفود الحاج

في تلك الأيام اعتمد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم استراتيجية جديدة في التبليغ تتمثل بعرض رسالته على وفود الحاج القادمة إلى مكة أيام الموسم، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كلّ موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الأنصار وكانوا ستة أنفار من الخزرج، فدعاهم إلى اللّه عزّ وجلّ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأحدثت كلمات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في نفوسهم أثراً عجيباً، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأنّ صدّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: «إِنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم، فعسى أن يجمعهم اللّهُ بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللّه عليه فلا رجل أعزّ منك». فلما رجعوا، وأخبروهم بالحادثة أثّرت دعوتهم الجادة في يثرب تأثيراً حسناً حيث سبّبت في إسلام فريقٍ من أهل يثرب واعتناقهم عقيدة التوحيد، وكان لتنبؤ اليهود السالف دور كبير في تحقيق تلك الاستجابة السريعة.

بيعة العقبة الاُولى

فلمّا كان العام المقبل (أي السنة الثانية عشرة من البعثة) قدم مكة اثنا عشر رجلاً من أهل يثرب، فلقوا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالعقبة، وانعقدت هناك أوّل بيعة إسلاميّة.

وكان نصّ هذه البيعة- بعد الاعتراف- بالإسلام والإيمان باللّه ورسوله هو:

بايعنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على أن لا نشرك باللّه شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.

وعاد هؤلاء النفر إلى يثرب، وبعث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقّههم في الدين وليحدد له الحالة التي عليها المدينة.

بيعة العقبة الثانية

لما حلّ موسم الحجّ لسنة 13 من البعثة خرجت قافلة كبيرة من أهل يثرب للحجّ فيهم ثلاث وسبعون من المسلمين من بينهم امرأتان حتى قدموا مكّة، والتقوا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فوعدهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالعقبة للبيعة.

فلما كانت الليلة الثالثة عشرة من شهر ذي الحجة وهي التي واعدهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، حضر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مع عمّه العباس بن عبد المطلب ولمّا استقرّ المجلس بالجميع، كان أوّل متكلم هو: العباس بن عبد المطلب فقال واصفاً منزلة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر الخزرج – وكانت العرب تسمي هذا الحي من الانصار الخزرج خزرجها وأوسَها – إِنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم مِنّا حيث قد علمتم، وقد منعناهُ من قومنا، فهو في عزّ من قومه، ومنعة في بلده، وإِنّه قد أبى إلاّ الانحياز إليكم، واللُحوق بكم، فإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إِليه، ومانعوه ممّن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإِن كنتم ترون أنّكم مُسلِمُوهُ وخاذِلُوهُ بعد الخروج به إِليكم، فمن الآن فدعوهُ فإنّه في عِزّ ومنعةٍ من قومه وبلده».

فقال الحضور: «قد سمعنا ما قلت، فتكلّم يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت».

فتكلمَ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى اللّه، ورغّب في الإسلام، ثم قال: «اُبايعُكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».

فقام البراء بن معرور، وأخذ بيد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقال: «نعم، والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنَّك مما نمنع منه اُزُرنا، فبايعنا يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن واللّه أبناء الحروب وأهل الحلقة (أي السلاح) ورثناها كابراً عن كابر، ثم بايعه سائر الحاضرين، وكانت تلك البيعة تسمى بيعة الحرب».

ثم عاد الوفد إلى يثرب، ومهدوا الطريق لانتقال المهاجرين إليها فكانوا يسمّون الانصار في مقابل المهاجرين الوافدين عليهم من المسلمين.

مؤامرة دار الندوة

كانت بيعة العقبة الثانية بمثابة ناقوس خطر رنّ في الوسط المكّي لما يترتب على حصول المسلمين على موضع قدم آمن من أخطار تهدد الكيان المكي على كلّ من المستوى الديني والسياسي والاقتصادي والعسكري؛ ومن هنا قرروا الانتقال بالمعركة مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى خطوة متقدمة تتمثل بتصفيته جسدياً والتخلص منه؛ ولهذا اجتمع كلّ رؤساء القبائل المكية في «دار الندوة» أكثر من مرة للتشاور في كيفية القضاء على الإسلام، وقرروا أخيراً أن تختار قريش من كلّ قبيلة فتى من فتيانها الأشداء، ويعطى كلّ واحد منهم سيفاً ماضياً، ويعمدوا إليه بأجمعهم فيضربونه ضربة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلّها، ولم يعد باستطاعة أحد من بني هاشم أن يطلب بدمه، فيختارون ديته على القتل.

وفي تلك الليلة أوحى الله تعالى إلى رسوله: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. فعرض صلى الله عليه وآله وسلم على ابن عمّه علي بن أبي طالب عليه السلام أمر المبيت على فراشه– في الليلة المعروفة بـليلة المبيت- ليتمكّن هو من الفرار والتخلص من مؤامرة قريش، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم بمعيّة أبي بكر بن أبي قحافة، وبقوا في غار ثور ثلاثة أيام، فلمّا أمنوا الطلب خرجا باتجاه المدينة المنوّرة.
من الهجرة إلى لقاء الله تعالى

(جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وسأل عن الله، فأجابه الإمام عليه السلام، فأعجبه جواب الإمام، فقال: “يا أمير المؤمنين! أفنبي أنت؟ فقال: ويلك، إنّما أنا عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله”.الكليني، الكافي: ج1، ص60.)

اختلفت كلمة الباحثين والمؤرخين في اليوم الذي خرج فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مكة وكذا في اليوم الذي دخل فيه المدينة، فذهب ابن هشام إلى القول: بأنّه صلى الله عليه وآله وسلم وصل إلى قبا منتصف نهار يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأوّل، وحدد ابن الكلبي خروجه صلى الله عليه وآله وسلم بيوم الاثنين غرة ربيع الأول وكان وصوله إلى قبا يوم الجمعة الثاني عشر من نفس الشهر، وذهب قوم إلى القول بأنّ وصوله كان يوم الثامن من ربيع الأوّل. فيما ذهب المؤرخون المتأخرون من المسلمين والأوربيين إلى القول بأنّ رحلته استمرت تسعة أيام، وكان وصوله إلى قبا في الثاني عشر من ربيع الأول سنة 14 للبعثة والموافق للرابع والعشرين من سبتمبر سنة 622م. واتخذت هجرته صلى الله عليه وآله وسلم مبدءا للتاريخ الإسلامي.

ومن المعالم الأثرية التي شيّدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إبّان هجرته هو بناء لمسجد قبا المعروف.

وأقام عليّ عليه السلام بمكة ثلاث ليال بأيّامها، حتى أدّى عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، فلما فرغ عليه السلام من أداء الأمانات والودائع خرج بـفاطمة عليها السلام بنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وأمه فاطمة بنت اسد، وفاطمة بنت الزبير وآخرين ممن لم يكن قد هاجر مكة حتى تلك الساعة، فسار بهم حتى التحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت كلثوم بن هدم.

وخرج صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من بني النجار يوم الجمعة، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، فصلاها عندهم.

وبعد صلاة الجمعة، دعا براحلته فركبها، ولما دخل الركب المبارك المدينة المنورة، استقبله أهلها بالترحاب والأهازيج والأشعار، وكلما مرّ الركب بحي من أحياء الأنصار، يستقبله زعماء الحي آخذين بزمام الناقة التي يبركها، ويطلبون منه النزول بينهم ويتوسلون ويلحون، ويقولون: إنزل على الرحب والسعة يا نبي الله، إلى القوة والمنعة والثروة، فيدعو لهم بالخير، ويقول: دعوا الراحلة تسير فإنها مأمورة، فانطلقت وما زالت تسير به إلى أن انتهت إلى موضع المسجد الحالي، مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوقفت هناك وبركت، ووضعت جرانها على الأرض، وذلك بالقرب من باب دار خالد بن زيد بن كليب، المعروف بـأبي أيوب الأنصاري، فبركت عنده، فاستقبله أبو أيوب فرحاً مستبشراً، وأدخل الرحل إلى منزله، ونزل صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: المرء مع رحله، فأخبره صلى الله عليه وآله وسلم معاذ بن عفراء بأنّ الأرض لغلامين يتيمين من بني النجار فاشتراها وجعلها مسجداً، وجعل إلى جنبه موضعاً عرف بـالصفة يسكن فيها جماعة عرفوا بـأصحاب الصفة.

لما أسرى بهصلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء السابعة….نودي من وراء الحجب: “نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي واستوص به”.
الموفق الخوارزمي، المناقب: ص301.

وتمثّل هجرة النبي (ص) من مكة إلى المدينة منعطفاً مهماً في تاريخ الدعوة الإسلامية؛ لأنّ المدينة قد تحوّلت إلى مركز ينطلق منه صلى الله عليه وآله وسلم لتبليغ رسالته إلى سائر الشعوب والبلدان والعاصمة التي يؤسس فيها حكومته التي ستكون منطلقاً للدولة الإسلامية الكبرى التي تحكمها شريعة السماء. ومن هنا قام صلى الله عليه وآله وسلم بإرسال المبلغين والمرشدين إلى القبائل العربية يدعونهم إلى التوحيد ومكارم الاخلاق.

ولمّا تكاثرت وفود المهاجرين على المدينة قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بينهم وبين الأنصار، وآخى بينه وبين علي بن أبي طالب عليه السلام.

بعد ذلك قام صلى الله عليه وآله وسلم بعقد معاهدة بين المسلمين وبين يهود المدينة يؤمن خلالها الحقوق الاجتماعية والدينية للطرفين.

المنافقون واليهود

مع أنّ الغالبية الساحقة من أبناء المدينة المنورة كانوا بين من دخل في الدين الإسلامي وبين مؤيد له إلاّ أنّ ذلك لا يعني أن المدينة وما يحيط بها قد خضعت لسلطة الدين الجديد، فقد شعر عبد الله بن أبي الذي كان على وشك التصدي للرئاسة وتاج الحكم قد أعد له ليصبح الرجل الأول في المدينة بأنّ الفرصة قد ضاعت منه، وأنّ قدوم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حرمته من نيل الفرصة الذهبية التي توفرت أمامه بعد المعارك الطاحنة التي حدثت بين الأوس والخزرج، فلم يجد أمامه إلاّ التظاهر بالإسلام والتخطيط في السر للقضاء على الدين الجديد من خلال التآمر مع يهود المدينة.

وقد حذّر القرآن الكريم من خطر هذه المجموعة التي أطلقت عليها أولى الآيات المدنية عنوان المنافقين، وبيّنت أن خطرهم على الرسالة أشدّ من خطر اليهود لتظاهرهم بالدين واختلاطهم في صفوف المسلمين، مما يوفر لهم الأرضية المناسبة للتخفي والاستفادة من معطيات الدين الجديد من جهة وضربه من جهة أخرى.

إلاّ أن آيات الذكر واصلت رصدها لحركة هؤلاء بالتهديد والتحذير مبيّنة أن ما يقوم به هؤلاء المنافقون لا يخفى على الله تعالى، كما في قوله تعالى: «إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَ‌سُولُ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَ‌سُولُهُ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ».
وقد سجل لنا التاريخ الإسلامي أن مشاكسات ابن سلول قد استمرت حتى السنة التاسعة للهجرة التي توفي فيها.

أمّا اليهود فمع أنّهم كانوا يعيشون تحت رعاية الحكم الجديد وأنّ المعاهدة التي أبرمت معهم أمّنت لهم جميع حقوقهم الدينية والاجتماعية، لكنهم وبالرغم من التظاهر بقبول التعايش السلمي مع الدين الجديد بل واعتناق البعض منهم له، إلاّ أنّهم تنصلوا عن المعاهدة، وخانوا العهود؛ لأنّهم يرون في الدين الجديد عاملاً أساسياً في سلب الزعامة الدينية عنهم وتحجيم حركتهم الاقتصادية وهيمنتهم على الجانب الاقتصادي والتجاري في المنطقة. يضاف إلى ذلك أنّ اليهود تؤمن وبشكل جازم أن النبوة لم ولن تخرج من بني اسرائيل وعليه فإنّ ظهور نبي عربي ليس منهم يعني– حسب ما يؤمنون به- خروجاً عن قاعدة غير قابلة للخرم.

ومن خلال هذه الرؤية وبتأثير من عبد الله بن أبي عمد اليهود إلى وضع العراقيل أمام الكيان الإسلامي الجديد متنصلين عن كلّ العهود والإتفاقيات والتنكر لما كانوا يهددون به المشركين من اقتراب موعد ظهور نبي جديد متذرعين بأنّه ليس هو النبي المقصود في التوراة والإنجيل.

أمام هذه الحركة جاءت آيات الذكر الحكيم لتضع حداً مائزاّ بين الفرقاء، وتبين للمسلمين أنّهم أمّة مستقلة تعود جذورها إلى النبي إبراهيم عليه السلام:

«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إلاّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ* هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين».

تغيير القبلة

صلّى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم طوال الفترة المكية وسبعة عشر شهراً بعد الهجرة إلى المدينة باتجاه بيت المقدس لحكمة اقتضتها الإرادة الإلهية. وكان اليهود قد اتخذوا موقفاً معادياً للرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بمختلف توجهاتهم ومحاربتهم بشتى الطرق والوسائل والسبل والمعاذير والحجج ومن جملتها التذرع بقضيّة صلاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى بيت المقدس.

فكانوا يقولون معيّرين إِياه: أنتَ تابع لنا تصلي إلى قبلتنا!!.

أو كانوا يقولون: تخالفنا يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ديننا وتتبع قبلتنا.

فشقّ هذا الكلام على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، واغتم لذلك غماً شديداً، فكان يخرج من بيته في منتصف الليل ويتطلع في آفاق السماء ينتظر من اللّه أمراً ووحياً في هذا المجال، وبينما كان يصلي الظهر في مسجد بني سلمة– الذي عرف فيما بعد بذي القبلتين- نزل الأمر الإلهي عليه أثناء الصلاة بالتوجه نحو الكعبة، كما تفيد الآية المباركة:

«قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ».

فكان تغيير القبلة كالصاعقة التي نزلت على اليهود والمنافقين، وسلبت ما بأيديهم من ذريعة للإنقاص من الدين الجديد وتعيير أتباعه. هذا والعجيب أنّ اليهود الذين كانوا قبل إلى ما قبل نزول الأمر بالتحوّل من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة يشمخون ويفتخرون على المسلمين بأنهم يصلّون باتجاه قبلة اليهود، ولما حُوّل المسلمون إلى الكعبة المعظمة، واُمروا بالصلاة إليها دون بيت المقدس أخذوا يعيبون على المسلمين التوجه إلى نقطة ما في الأرض فردّ اللّه عليهم بقوله:

«سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ النّاس ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتهم التي كانُوا عليها قُلْ للّهِ المشرق والمغربُ يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مُستقيم».

معركة بدر

كانت المواجهة بين النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبين قريش متوقعة منذ بيعة العقبة الثانية.

وفي حديثه [الإمام علي] عليه السلام: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يكن منّا أقرب إلى العدو منه.نهج البلاغة: ج4، ص61.

وكانت أوّل غزوة غزاها المسلمون هي غزوة الأبواء أو ودّان التي وقعت في شهر صفر من السنة الثانية ولم يقع فيها قتال، بعدها جاءت غزوة بُواط في ربيع الأول من نفس السنة ولم يقع فيها قتال أيضا.

وفي منتصف شهر جمادى الاُولى من السنة الثانية للهجرة جاءَ الخبر أنّ قافلة قريش التجارية تخرج من مكة بقيادة أبي سفيان تريد الشام للتجارة، وقد جمعت قريش كلّ أموالها في تلك القافلة، فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في جمع من أصحابه لاعتراضها حتى بلغ ذات العشيرة وبقي صلى الله عليه وآله وسلم في ذات العشيرة ينتظر قافلة قريش، ولكنه لم يظفر بها؛ إمّا لأن القافلة أبدلت طريقها او لأنّها استطاعت تجاوز الطوق الذي أوجده المسلمون لها بعد أن أبلغتها العيون بذلك حتى تجاوزت منطقة الخطر.[٥٢]

وبينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه يراقبون القاقلة أتاه الخبر عن مسير قريش باتجاه المدينة لحماية قافلتها التجارية، وأنّ جيشها قد وَصلَ إلى مشارف المنطقة التي يتواجد فيها المسلمون، وأنّ طوائف متعددة قد ساهمت وشاركت في تكوين هذا الجيش. فرأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن لا ينسحب، بل يقاتل العدوّ بما تتوفر له من العدة والعدد وإن كانت قليلة، ويقاوم المشركين حتى اللحظة الأخيرة والنفس الأخير، فكانت المعركة في قرب آبار بدر وفيها انتصر المسلمون انتصاراً باهراً، وخسر المشركون الكثير من القتلى والأسرى.[٥٣] وكان من أشهر من قتل في المعركة أبو جهل مع سبعين من المشركين، فيما استشهد 14 من المسلمين، وكان لـعلي بن أبي طالب عليه السلام الدور البارز في تلك المعركة حيث استطاع أن يقضي على الكثير من صناديد قريش وشجعانها.[٥٤]

المواجهة مع اليهود

ذكرت المصادر التاريخية أنّ أوّل مواجهة حصلت بين المسلمين وبين اليهود كانت بعد عدة أسابيع من معركة بدر، حيث كان يهود بني قينقاع يهيمنون على الأسواق وعمل الحدادة، فجاءت ذات يوم امرأة من العرب إلى سوق بني قينقاع فجلست عند صائع تبيع حليّاً لها أو تشتري، فعمد رجلُ من يهود بني قينقاع إِليها وجلس من ورائها، وهي لا تشعر فعقد أسفل ثوبها إلى ظهرها، فلمّا قامت المرأة بدت عورتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين إلى ذلك الرجل اليهودي فقتله، فاجتمعت بنو قينقاع، وشدّوا على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهلُ المسلم القتيل المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون غضباً شديداً.

وكان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد أتمّ الحجة عليهم قبل ذلك حينما وقف صلى الله عليه وآله وسلمفي سوقهم بعد أن جمعهم فيه ثم قال لهم:

«يا معشر يهود احذروا من اللّه مِثل ما نزلَ بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنّكم قد عرفتُم أنّي رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم تجدون ذلكَ في كتابكم وعهد اللّه اليكم».

ولكن اليهود لم يشكروا نصيحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه أو يسكتوا وحسب، بل ردّوا عليه بعناد ولجاج وصلافة قائلين: «يا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لا يغرّنّك من لقيت، فإنّما قهرت قوما أغماراً ـ أي: لا عِلمَ لهم بالحرب ـ ونحن بنو الحرب، ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا».

وهنا نزل قول اللّه تعالى:

«قُل للّذينَ كفروا ستُغلبونَ وتُحشرون إلى جهنّم وبئس المِهاد * قد كانَ لكُم آية في فئتينِ التَقَتا فِئة تقاتلُ في سبيلِ اللّه واُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العينِ واللّه يؤيّدُ بنصرهِ من يشاءُ إِن في ذلك لعبرة لاُولي الأبصار».

فأمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بمحاصرتهم، فحصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة أشدّ الحصار، حتى قذف اللّه في قلوبهم الرعب، وفقدوا القدرة على المقاومة، ورضوا بأن ينزلوا على حكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيهم!!.

وأراد رَسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤدب تلك الجماعة التي كانت أول من نقض العهد.

ولكن عبد اللّه بن اُبي بن سلول الذي كان من منافقي المدينة ويتظاهر بالإسلام، أصرّ على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يحسن معاملتهم، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بأن يجُلوا من المدينة، فخرجوا من المدينة ولحقوا بمنطقة تدعى أذرعات وهي بلد من أطراف الشام.

معركة أُحُد

وقعت أحداث هذه المعركة في السَّنة الثالثة للهجرة؛ وذلك لأنّ قريشا عندما شعرت بمرارة الهزيمة في معركة بدر التي قتل فيها عدّة من المشركين ومن كبارهم، فأخذت تعدّ العدّة للانتقام فأعدّت بقيادة أبي سفيان جيشاً من الرجال المقاتلين ترافقهم النساء الممرضات والمشجعات على القتال. وكان رأي النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم البقاء بـالمدينة ومقاتلة المشركين إلاّ أنّ الرأي استقر لاحقاً على الخروج إلى منطقة جبل أحد، فالتقى الجيشان هناك. وقد أدّت المعركة إلى انهزم المسلمين بعد انتصارهم في بداية المعركة نتيجة عدم التزام فئة من المسلمين بأوامرالرسول صلى الله عليه وآله وسلم واتباع خطته، حيث أخلى بعض المقاتلين الموقع الاستراتيجي المهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدم تركه مهما حصل، فاستغل خالد بن الوليد هذه الثغرة وتسلّق الجبل مما غيّر موازين المعركة لصالح المشركين، وسقط الكثير من الشهداء على رأسهم حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجراحات كثيرة، وأشيع بين المسلمين أنّه قتل مما ساهم في تضعيف الروح القتالية عند المسلمين، فعادوا إلى المدينة منكسرين يشعرون بالمرارة والألم، فنزلت آيات الذكر الحكيم تهوّن ذلك، وتحثّ المسلمين على الصمود في المواجهة وأن الانكسار في معركة لا يعني الانهزام المطلق وخسارة الموقف بالكامل.

غزوة بني النضير، دومة الجندل

في السنة الرابعة من الهجرة حدثت في أطراف المدينة بعض التحركات التي تكشف عن نوايا سيئة ومواقف خطرة تنذر بحدوث تحالف ضد الدولة الإسلامية، كالذي حدث في الرجيع وبئر معونة من سقوط الكثير من الدعاة والمبلغين شهداء على أيدي المشركين في منطقة الرجيع.

في تلك السنة وقعت مواجهة قوية بين المسلمين مع بني النضير، بعد حادثة تآمروا فيها على الفتك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانتهت المعركة بإجلائهم من المنطقة.

وفي السنة التي تلتها أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدنو إلى أدنى الشام فندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس، فخرج ومعه المسلمون، ولمّا دنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دومة الجندل جاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بساحتهم فلم يجد بها أحداً.

غزوة الأحزاب، بني قريظة، بني المصطلق

تحرك أبو سفيان في السنة الرابعة مع مجموعة من المقاتلين نحو منطقة بدر لمواجهة المسلمين هناك، إلاّ أنه عدل عن موقفه، وعاد إلى مكة؛ مما أضعف موقفه، وزعزع قيادته لقيادة المشركين، فأعدّ العدة مرة أخرى وبتحريض من اليهود لمواجهة المسلمين بجيش كبير ومنظم في معركة عرفت فيما بعد بمعركة الأحزاب أو الخندق.

فقد جاء في كتب السيرة والتاريخ: أنّه في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة اتفقت قريش وجماعة من الأعراب من بني سليم وبني أسد وفزاره وقبيلة غطفان ويهود بني النضير على غزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة يساندهم في ذلك يهود بني قريظة القاطنين في أطراف المدينة، فتحرّك أبو سفيان بجيش قوامه أكثر من عشرة آلاف نفر ما بين فارس وراجل، وبلغ خبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق جماعة من خزاعة وفدوا عليه، وأخبروه بالتجمع الذي أعدّته قريش وأحلافها من العرب واليهود لغزوه. فجمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أصحابه، وأخبرهم بما اجتمعت عليه قريش وأحلافها واستشارهم فيما يجب أن يتخذه لمنعهم من دخول المدينة، فأشار عليه سلمان الفارسي بأن يحفر خندقاً من الجهة التي يمكن للمشركين أن يدخلوا منها، فاستحسن النبي وأصحابه هذا الرأي وأمر بحفره، ومضى المسلمون يشتدون في حفر الخندق حتى أتموه في ستة أيام كما ورد في رواية الطبري وغيره. وأقبل المشركون بعدتهم وعددهم حتى نزلوا الجانب الآخر من الخندق. وأقام المشركون أياما والمسلمون في مقابلهم يترامون أحيانا بالنبال.

ولما وجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن البلاء اشتد بالمسلمين بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فاستشارهما في أن يصالح بني غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين.

فلما خرج [علي عليه السلام لقتال عمرو بن ود] قال صلى الله عليه وآله: برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه..الجاحظ، العثمانية: ص324.

فقالا له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهو أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك به الله، أم شيء تصنعه لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل شيء أصنعه لكم كي أكسر عنكم شوكتهم حينئذ قال له سعد بن معاذ: والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلاّ بالسيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: فأنت وذلك. وفيما هم كذلك وإذا بـعمرو بن عبد ود العامري وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب بن مرداس قد اقبلوا نحو الخندق ووجدوا مكاناً ضيقاً في الخندق فضربوا خيولهم واقتحموه إلى الجانب الثاني، وجعلوا يجولون بين الخندق وعسكر المسلمين، وفي تلك الآثناء تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام للمنازلة مع عمرو بن عبد ودّ العامري، فلما صرعه فرّ الباقون.

وفيما هو صلى الله عليه وآله وسلم يفكر في عمل يخفف من حدّة الموقف، ويؤدي إلى تشتيت القوم وبعث الخلاف بينهم، وإذا بنعيم بن مسعود ينسلّ من بين الثغرة، ويأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليقول له: إنّي قد أسلمت وآمنت برسالتك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفرصة بأن يوجهه لبث الفرقة بين القوم، ما داموا يحترمون رأيه ويعتقدون بأنه منهم، فقال له: إنما أنت رجل واحد فخذل عنّا ما استطعت فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود، وأنجز المهمة على أكمل وجه حيث تمزق شمل الأحزاب وانسحبوا خاسئين، بعد أن عصفت ريح شديدة هوجاء مصحوبة بأمطار وصواعق لا عهد لهم بها وظلت العواصف والأمطار تشتد حتى اقتلعت خيامهم، وكفأت قدورهم.

ولمّا رجع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غزوة الخندق ودخل المدينة واللواء لا يزال معقوداً، أراد أن يغتسل من الغبار، فناداه جبرائيل عليه السلام: إن الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلاّ بـبني قريظة. فخرج صلى الله عليه وآله وسلم، وطلب من علي عليه السلام ان ينادي في الناس أن لا يصلين أحد العصر إلاّ في بني قريظة. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلفه الناس، فبادروا إلى بني قريظة، فحاصروهم ولمّا حاصروهم 25 ليلة واشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحكّم فيهم سعد بن معاذ– بعد أن اختاره اليهود للتحكم فيهم- حيث حكم بقتل الرجال وسبي النساء و…في قصة ذكرها المؤرخون.

وقد شكك بعض الباحثين والمحققين في قضية التحكيم تلك، منهم الدكتور الشهيدي الذي ذهب إلى أن القصة من ابتكارات الذهنية العربية بعد المعركة بكثير حيث سطّرتها أقلام بعض الخزرجيين ليوحون بأنهم الأعلى كعبا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث احترم حلفاءهم ولم يقتلهم في الوقت الذي لم يحترم الأوس ولم يشفعهم في حلفائهم، بالاضافة إلى الاحياء بأن كبير الاوسيين لم يحترم حلفاءه ولم يرع المواثيق معهم.

وفي السنة السادسة من الهجرة أيضا تمكن المسلمون من هزيمة بني المُصطَلِق بعد أن بلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن زعيمها يعدّ العدّة، ويجمع الرجال المقاتلين لمحاصرة المدينة وغزوها، فقرّر رسولُ اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يغزوهم في عقر دارهم، فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في جمع من أصحابه حتى لقيهم عند ماء يدعى «المُريسيع»، ونشبت الحرب بينهم وبين المسلمين، ولكن صمود المسلمين وبسالتهم تسبب في أن لا يطول القتال بين المسلمين وبين بني المصطلق، فتفرّق جيش العدو بأن قتل منهم عشرة رجال.

صلح الحديبية

كان لمعركة الأحزاب وما ترتب على غزو بني قريظة والحروب الأخرى التي وقعت في السنة السادسة والانتصارات الباهرة التي حققها المسلمون خلالها الأثر الكبير في انتشار وتوسّع قوة المسلمين في شبه الجزيرة العربية واعتناق الكثير من القبائل العربية للدين الحنيف. الأمر الذي يتطلب أن يقوم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بحركة تعكس هيبة المسلمين وقدرته في الوسط المكّي ودعوتهم إلى اعتناق الدين الإسلامي واذا ما أصرت قريش على عنادها وموقفها المعادي للرسالة، فلابد من منازلتهم وإزالة الحواجز التي وضعها قادة المشركين بوجه سكّان مكة المكرمة.

ففي شهر ذي القعدة من السنة السادسة الهجرية غادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة قاصداً مكة للعمرة والحج وأمر باصطحاب إبل الأضاحي. ولكن ما إن وصل إلى الحديبية حتى وجد قريشاً وقد شكّلت حاجزاً قوياً من دخول المسلمين مكة، وأرسلت قريش خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل لمنع المسلمين من دخول مكة المكرمة، كتب صلى الله عليه وآله وسلم إلى قريش بأنّه لم يقدم لقتال وإنّما جاء معتمراً، لا غازياً ولا محارباً.

ولمّا أصرت قريش على منع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عن البيت قال النبي لأصحابه: «لا نبرح حتى نُناجز القوم». وطلب من المسلمين البيعة، فبايعوه على الفتح أو الشهادة.. وحينما بلغ قريشاً نبأ البيعة الجديدة للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم هابوه، فراسلوه على الصلح، فاصطلح معهم وعُقِدَت إتفاقية صُلح وهُدنة تضمنت المواد والشروط التالية:

تعهّد المسلمون، وقريش بترك الحرب عشر سنين يأمنُ فيهن الناسُ، ويكف بعضهم عن بعض.

من أتى محمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم من قريش بغير إذن وليّه رَدّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم لم يردّوه عليه.

من أحَبّ أن يدخل في عقد محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وعهده (أي يتحالف معه) دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

أنّ محمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم يرجع بأصحابه إلى المدينة عامَهُ هذا ولا يدخل مكة، وإنّما يدخل مكة في العام المقبل في أصحابه فيقيم فيها ثلاثة أيام، لا يدخل فيها بسلاح إلاّ سلاح المسافر، السيوف في القُرب.

أن لا يستكرَه أحدُ على ترك دينه ويعبُد المسلمون اللّه بمكة علانية وبحرية، وأن يكون الإسلام ظاهراً بمكة وأن لا يؤذى أحد ولا يعيِّر.

لا إسلال (سِرقَة) ولا إغلال (خيانة) بل يحترم الطرفان أموالَ الطرف الآخر، فلا يخونه ولا يسرق منه.

أن لا تعين قريش على محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أحداً بنفس ولا سلاح.

وقد اعترض بعض الأصحاب على الصلح جهلاً منهم بعمق المعاهدة والحنكة التي أبداها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في معالجة الموقف، تلك المعاهدة التي فتحت للمسلمين الأبواب نحو نصر كبير بعد أن اعترف المشركون بوجود المسلمين واذعنوا لقوتهم وأنّهم كيان لا يستهان به، بعد أن كانوا ينظرون إليهم نظرة ازدراء وتحقير، ويعملون على اجتثاث وجودهم من الأرض.

يضاف إلى ذلك أن المعاهدة سحبت من يد قريش ورقة الضغط على القبائل وجلعتها حرة في اختيار الديانة التي تريد اتباعها؛ وبهذا تمكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من فك عُرى التحالف القرشي من جهة ومن جهة أخرى وفّرت المعاهدة للمتحالفين مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فرصة الحياة الأمنة وفقاً لإحدى فقرات المعاهدة، وإلّا فالمعاهدة ملغاة، وهذا ما حصل فعلاً، كما سجّل ذلك المؤرخون أنّه: لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدم المدينة، جاءه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة، فكتب فيه الأزهر بن عوف، والأخنس ابن شريق، وبعثا فيه رجلاً من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لأبي بصير قد علمت إنا قد أعطينا هؤلاء القوم عهداً ولا يصلح الغدر في ديننا، فانطلق معهما: فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فرّ حتى نزل على ساحل البحر على طريق قريش إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين حبسوا بمكة ذلك فخرجوا إلى أبي بصير والتحقوا به، منهم أبو جندل بن سهيل، فاجتمع إليه منهم قرابة سبعين رجلاً، فضيقوا على قريش يعترضون العير التي تكون لهم. فأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم ويخلصهم منهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل صلى الله عليه وآله وسلم إليهم فآتوه آمنين مطمئنين. وبهذا تمهدت الطريق لفتح مكة.

ولما اطمأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلح الحديبية إلى حدٍّ ما من ناحية قريش والعرب الذين كانوا لا يزالون على الشرك، اتجه بعد ذلك إلى إرسال دعاته إلى حكام الفرس، والروم، وعمان، واليمامة وغيرها من البلاد المتاخمة لحدود الحجاز.

دعوة حكام البلدان الأخرى إلى إعتناق الإسلام

معركة خيبر

لم يدع النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود الذين لا يزالون خارج المدينة على حالهم فقد كان يخشى غدرهم، واليهود أشدّ من العرب وغيرهم عداوة للإسلام، وقد يجدون من الدول المتاخمة لحدود الحجاز من يحركهم، ويغريهم بالمساعدة. ولم يلبث بالمدينة بعد رجوعه من الحديبية أكثر من شهر- كما هو الشائع بين المؤرخين- حتى أعلن عن رأيه لأصحابه، وأمرهم أن يتجهزوا لغزو خيبر، ولمّا أحسّ اليهود بأنّه أسقط في أيديهم، وأنّهم قد خسروا المعركة فعلاً وأن المسلمين سيأسرونهم ويقتلونهم إن هم بقوا على موقفهم، فطلبوا الصلح من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأجابهم إلى ذلك وأبقاهم يعملون في الأرض على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم.

عندما رجع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، قالصلى الله عليه وآله وسلم: “ما أدري بأيّهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر”.ابن الأثير، أسد الغابة: ج1، ص287؛ الصدوق، المقنع: ص 139.

وذكر المؤرخون في معرض بيانهم لأحداث المعركة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر برايته، وكانت بيضاء إلى بعض حصون خيبر، فرجع ولم يصنع شيئا، ثم بعث في اليوم الثاني عمر بن الخطاب وكان نصيبه نصيب صاحبه. وفي رواية الطبري عن أبي بريدة الأسلمي: أنّه لما خرج عمر بن الخطاب بالراية ونهض معه الناس والتقى مع أهل خيبر انكشف عمر وأصحابه، ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجبنه أصحابه ويجبنهم، واستمرّ القتال وكلما أعطى الراية أحداً رجع خائبا أو فارّاً. ولما بلغ الجهد بالمسلمين ونفد أكثر زادهم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «والله لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله». وروى ابن هشام عن ابن اسحاق أنّه قال: «حدثني عبدالله بن الحسن عن بعض أهله عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «خرجنا مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطاح ترسه من يده، فتناول علي عليه السلام باباً كان عند الحصن، فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه».

عمرة القضاء وزيارة بيت الله الحرام

لمّا انتهت السنة السادسة، وجاء ذو القعدة من السنة السابعة عزم صلى الله عليه وآله وسلم على أن يخرج هو وأصحابه إلى مكة لأداء مناسك الحج حسبما تم الاتفاق عليه بينه وبين قريش في الحديبية، فنادى مناديه في الناس أن يتجهزوا للسفر إلى مكة، فأسرع الناس بلهفة إلى تلبية هذا الطلب، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة في ألفين من المهاجرين والأنصار. ولما أصبح قريباً من مكة خرج منها زعماؤها إلى رؤوس الجبال والتلال المجاورة لها، وانحدر المسلمون من شمال مكة، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد، وقريش تنظر إليه من فوق رؤوس الجبال، فيأخذها العجب لهذا المنظر. وفي تلك اللحظات أدرك الكثير من رجال قريش أن المعركة الطويلة والمواجهة الشديدة انتهت لصالح النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ علامات الانهيار في الصف القرشي قد بانت، فالتحق البعض منهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة مشهرين إسلامهم منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.

فتح مكة

نصّت المادةُ الثالثة من وثيقة صلح الحديبية على أنَّ لِكل من قريش والمسلمين أن يتحالفوا مع من شاؤوا من القبائل، فتحالفت «خُزاعة» مع المسلمين، وتعهّد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لخزاعة في هذا التحالف بأن يدافع عن أرضهم وأموالهم وأنفسهم كلما تعرّضوا لخطر، وطلبوا ذلك. وتحالفت قبيلة «بني كنانة»- وكانوا من أعداء خزاعة التقليديين- مع قريش. وبعد أن انقَضت سنتان من تاريخ التوقيع على هذه المعاهدة، كان الناس يعيشون خلالها في سلام ورفاه، وأمن واستقرار، نقضت قريش هذا الفقرة من المعاهدة حيث بادرت إلى توزيع الأسلحة على قبيلة بني بكر من كنانة، وإلى تحريضهم على أن يبيّتوا خزاعة المتحالفين مع المسلمين، فيغيروا عليهم ليلاً، ويقتلوا فريقاً، ويأسروا آخرين، بل اشترك البعض منهم في الغارة على خزاعة.!! ولم يلبث أن قدم المدينة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من خزاعة، وأخبروه بما فعلته قريش وبنو بكر من قتل فتيان خزاعة، فانزعج رسولُ اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من قريش لغدرها ونقضها للعهد، ووعد خزاعة بالنصرة. وحينها شعرت قريش بالندم وتوجست خيفة من ردّ النبيّ، وأدركت بأنَّ هذا الذي صنعته هو نقض للمُدّة والعهد الذي بينهم وبين الرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لن يدعَ هذه الجريمة تمرّ دون ردّ قاطع وحاسم؛ ولهذا بادرت إلى إيفاد زعيمها أبي سفيان بن حرب بن اُمية إلى المدينة المنورة لمعالجة الموقف والتأكيد على احترام قريش لمعاهدة الصلح، إلاّ أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد عليه كناية عن عدم اعتنائه به. ولأجل الوصول إلى هذه الغاية فتح مكة وإنهاء الغطرسة القرشية والقيام بالمهمة المقدسة من دون إراقة الدماء استخدم صلى الله عليه وآله وسلم اُسلوب مباغتة العدوّ. وتمت الترتيبات اللازمة في سرية كاملة، بحيث لم يعرف بها العدوُّ، وأعلن صلى الله عليه وآله وسلم عن التعبئة العامة لفتح مكة مبتهلاً إلى الله بالدعاء: «اللَّهم خُذ العيون والأخبار من قريش حتى نباغتها في بلادها». فاجتمع في مطلع شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة ناس كثيرون بلغ عددهم عشرة آلاف مقاتل، فسار حتى نزل مرّ الظهران، و قد طوى الله أخباره عن قريش إلاّ أنهم يتوجسون الخيفة.

وخشي العبّاس تلافي قريش إن فاجأهم الجيش قبل أن يستأمنوا، فركب بغلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب يتجسس، وقد خرج أبو سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم ابن حزام يتحسسون الخبر، وبينما العبّاس قد أتى الأراك ليلقى من السابلة من ينذر أهل مكة إذ سمع صوت أبي سفيان وبديل وقد أبصرا نيران العساكر، فيقول بديل: نيران بني خزاعة، فيقول أبو سفيان: خزاعة أذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. فقال العبّاس: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس والله إن ظفر بك ليقتلنك وا صباح قريش فارتدف خلفي. ونهض به إلى المعسكر. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العبّاس أن يحمله إلى رحله ويأتيه به صباحاً، فلما أتى به قال له صلى الله عليه وآله وسلم: ألم يأن لك أن تعلم أنّ لا إله إلاّ الله؟ فقال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد علمت لو كان معه إله غيره أغنى عنا، فقال: ويحك أ لم يأن لك أن تعلم أني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال بأبي أنت وأمي ما أحملك وأكرمك و أوصلك امّا هذه ففي النفس منها شي‏ء. فقال له العبّاس: ويحك أسلم قبل أن يضرب عنقك، فأسلم. فقال العبّاس: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً.

قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ثم أمر العبّاس أن يوقف أبا سفيان بخطم الوادي ليرى جنود الله ففعل ذلك، ومرّت به القبائل قبيلة قبيلة، إلى أن جاء مركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المهاجرين والأنصار، عليهم الدروع البيض، فقال من هؤلاء؟ فقال العبّاس: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المهاجرين والأنصار. فقال: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً: فقال: يا أبا سفيان إنها النبوّة، فقال: هي إذن! فقال له العبّاس: النجاء إلى قومك. فأتى مكة وأخبرهم بما أحاط بهم وبقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أتى المسجد أو دار أبي سفيان أو أغلق بابه.

وفي رواية ابن هشام عن ابن اسحاق: رتب الجيش وأعطى سعد بن عبادة الراية فذهب يقول: اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة. وبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر عليّا عليه السلام أن يأخذ الراية منه، وينادي: اليوم يوم المرحمة‏.

ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد، وطاف بـالكعبة ملبياّ بـ: لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له. صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

وبعد أن أتمّ مراسم الطواف والزيارة وتطهير البيت من الأوثان المنصوبة فيه، التفت إلى قريش التي كانت تعيش حالة من القلق والخشية من ردة فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمّا قامت به من حرب شعواء ومواجهة شرسة مع المؤمنين، قائلاً: «يا معشر قريش ويا أهل مكة ما ترون إني فاعل فيكم؟» قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، ثم قال: «اذهبوا، فأنتم الطلقاء».

وبعد أن أمضى صلى الله عليه وآله وسلم أسبوعين قفل راجعاً إلى المدينة المنورة.

غزوة حنين

بعد فتح مكة واستسلام معظم أهلها، أو إسلام القبائل المحيطة بمكة فضلاً عن قبائل قريش ومشايخه، إلاّ أن قبائل هوازن، وثقيف ومن يدور في فلكهم أو حلفائهم بقيت معاندة ولم تسلم، وأظهروا العداء له صلى الله عليه وآله وسلم ولرسالته، فاضطر بعد اليأس من هدايتهم أن يغزوهم في عقر دارهم بعد أن مكث في مكة زهاء خمسة عشر يوماً، فخرج بجيش جرار قاصداً قبائل هوازن وثقيف المجتمعة في منطقة (حنين).

ولمّا انحدر صلى الله عليه وآله وسلم في وادي حنين، وصاروا في مضيق بين جبلين خرجت عليهم كتائب هوازن من كلّ ناحية بغتة، فانهزم بنو سليم وكانوا على المقدمة – مقدمة جيش المسلمين- وانهزم ما وراءهم، وثبت علي عليه السلام ومعه اللواء يقاتلهم في نفر من بني عبد المطلب وجماعة من المسلمين محيطين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هزيمة القوم عنه نادى فيهم: يا معشر الأنصار إلى أين أنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يلو أحد منهم. ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم لأبي سفيان بن الحارث: ناولني كفّاً من الحصى، فناوله فرماه في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، وإن شئت لا تعبد لا تعبد. فردّ الله كيدهم، فلمّا سمع الأنصار وبقية المسلمين نداء العباس لهم، تراجعوا وقالوا: لبيك لبيك، ثم عطفوا وكسروا جفون سيوفهم، وهم يقولون: لبيك، ومرّوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستحيوا أن يرجعوا إليه ولحقوا بالراية، فنزل النصر من الله تبارك وتعالى.

غزوة تبوك

بلغ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في السنة التاسعة نبأ استقرار فريق من جنود الروم على الشريط الحدودي للشام، فلم يرَ صلى الله عليه وآله وسلم من أن يردَّ على هؤلاء المعتدين بجيش عظيم، ويحافظ بذلك على الدين الَّذي قام بفضل الدماء الزكية التي اُريقت من أصحابه حينما كان المسلمون يعيشون حالة من العسرة وشدة من الحرّ وجدب من البلاد، وقد طابت الثمار، والناسُ يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرَهُون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، التي أشار إليها قوله تعالى «وَقَالُوا لَا تَنفِرُ‌وا فِي الْحَرِّ‌ ۗ قُلْ نَارُ‌ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّ‌ا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ» ومع ذلك بلغ جيش المسلمين ثلاثين ألفاً. وكان صلى الله عليه وآله وسلم استخلف على المدينة علي بن أبي طالب عليه السلام قائلاً له: يا علي إنّ المدينة لا تَصلُحُ إلاّ بي وبكَ.

ولقد أزعج بقاءُ عليّ عليه السلام في المدينة؛ المنافقين ولهذا أرجفوا به، وبثّوا إشاعات خبيثة مفادها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما خلّف عَليّاً عليه السلام إلاّ استثقالاً له.

ولإبطال هذه الإشاعة الخبيثة، وتكذيب هذا الكلام، أخذ علي عليه السلام سلاحه، وخرج حتى أتى رسولَ اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو نازل بالجرف، فقال: «يا نبيَ اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، زَعَمَ المنافقون أنَّكَ إنّما خَلَّفتَنِي أنَّكَ استثقَلتَنِي وَتخفَّفتَ منّي». فقالَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل: «كَذِبُوا، وَلكنّني خلَّفتُك لما تَركتُ ورائي فاخلُفنِي في أهلِي وَأهلِكَ أفَلا تَرضى يا عَليّ عليه السلام أن تكُونَ مِنّي بِمنزلةِ هارونَ مِن مُوسى إلاّ أنَّه لا نبيَّ بعدي».

وبعد رحلة طويلة حلّ جيش المسلمين في مطلع شهر شعبان سنة تسع من الهجرة في أرض تبوك، ولكن دون أن يرى أثراً لجيش الروم.

في هذه اللحظة جمع رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم رؤس جيشه، وتبعاً للمبدأ الإسلامي «وشاورهُم في الأمر» شاورهم في التقدُّم في أرض العدوّ أو الرجوع إلى المدينة.

فكانت نتيجة التشاور عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة لما تحمّله من مشاق كثيرة في هذه الغزوة، ليستعيد نشاطَه وقواه، هذا مُضافاً إلى أن المسلمين حققوا هدفهم السامي من هذه الغزوة والذي تمثل في تفريق جيش الروم وتبديد اجتماعهم بعد إلقاء الرعب الشديد في قلوبهم. وبهذا تحقق للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما أراده، وتوافدت القبائل للدخول في الإسلام في تلك السنة التي عرفت بـسنة الوفود.

سنة الوفود

ولمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك، وأسلمت ثقيف ضربت إليه وفود العرب من كلّ وجه، حتى لقد سميت السنة العاشرة بسنة الوفود. قال ابن اسحاق: لمّا استفتحت مكة ودانت قريش ودخلها الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحربه وعداوته، فدخلوا في دينه أفواجا يضربون إليه من كلّ وجه. وفي تلك السنة وفد إليه صلى الله عليه وآله وسلم وفد نصارى نجران؛ وفي السنة ذاتها أيضا قام بـحجة الوداع وما وقع من حديث الغدير وتعيين علي بن أبي طالب عليه السلام خليفة ووصياً له صلى الله عليه وآله وسلم.

حجّة الوداع وغدير خم

بحلول شهر ذي القعدة من السنة العاشرة أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عزمه على زيارة مكة لأداء فريضة الحج حسبما أنزلها الله سبحانه عليه، ولينقي فريضة الحج مما علق بها من خرافات وليسلب من قريش الامتيازات التي جعلتها لنفسها في هذه الفريضة المقدسة مردداً هو والجموع الغفيرة التي رافقته في رحلته: نفس الكلمات التي تؤدي معنى الرسالة التي دعاهم إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحارب من أجلها: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». بلا تمايز بين القرشي وغيره، وتلبية لقوله تعالى «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ».

ولما قضى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مناسكه ومن معه انصرف راجعا إلى المدينة، ومعه من كان من الجموع، ووصل غدير خم القريب من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين، والمصريين، والعراقيين، نزل إليه الأمين جبرئيل عليه السلام عن الله سبحانه يأمره بأن يقيم علياً عليه السلام علما للناس ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كلّ أحد فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بأن يردّ من تقدم منهم، ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان حتى إذا أخذ القوم منازلهم حمد لله واثنى عليه ثم قال:

«أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب»…. وأخذ بيد علي عليه السلام، فرفعها حتى رؤي بياض إبطيهما وعرفه القوم أجمعون ثم قال: «من كنت مولاه فعلی مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار».

وما أن عاد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة حتى بدأ يهم بالتحرك نحو الإمبراطورية التي تجاوره من الحدود الشمالية لـشبه الجزيرة ويحسب لها حسابها خشية أن تغزو البلاد الإسلامية، ولكنه كان يؤثر أن يغزوهم قبل أن يغزوه، وأن يفرض عليهم وجوده وهيبته قبل أن يهاجموه. فأرسل سريته الأولى إلى مؤتة التي استشهد فيها القادته الثلاثة، وهم جعفر ابن أبي طالب عليه السلام وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومجموعة من جنوده. وبعد عودة ما بقي من رجال السرية أمر النبي عليه السلام أسامة بن زيد أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والروم على مقربة من مؤتة حيث قتل والده، وأن ينزل على أعداء الله في عماية الصبح ويمعن فيهم قتلاً وتشريداً، وأن يتمّ ذلك بأقصى ما يمكن من السرعة قبل أن تصل أخباره إليهم.

إلاّ أنّ زيداً لم يتمكن من الخروج إلى مؤته- لأسباب ذكرها المؤرخون- حتى توفي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

رحيل النبي محمد (ص)

وبحلول السنة الحادية عشرة أخذ المرض يشتد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فدخل المسجد وارتقى المنبر حاثاً المسملين على الوحدة وعدم العودة إلى الجاهلية والكفر مؤكداً أنّه صلى الله عليه وآله وسلم ما أحل إلاّ ما أحل الله وما حرم إلاّ ما حرم الله.

وقد كانت وفاته في الثامن والعشرين من شهر صفر سنة 11 هجرية، وفي رواية أخرى أنّه توفي في الثاني عشر من ربيع الأول من نفس السنة عن عمر ناهز الثالثة والستين، وقد فاضت نفسه صلى الله عليه وآله وسلم بينَ نَحْرِ الإمام علي عليه السلام وصَدْره. فقام الإمام علي عليه السلام يعينه بعض بني هاشم بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواراته الثرى في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم.

موضوع خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

سقيفة بني ساعدة

ما إن فاضت نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واشتغل علي عليه السلام وأهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتجهيزه من أجل مواراة جسده الطاهر في مثواه الأخير، حتى عقدت الأنصار اجتماعاً لها في سقيفة بني ساعدة حضره كبار الأوس والخزرج معا، وقد استثمر هذا الاجتماع من قبل بعض القرشيين الذين التحقوا بالاجتماع بعدما تناهى إلى أسماعهم اجتماع الأنصار.

وبعد انعقاد الاجتماع سادته مناقشات حادة وطويلة سادها جو من التوتر والقلق والخلاف حول المرشح لخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. حيث قدم كلّ فريق منهم المبررات والامتيازات التي تؤهله للخلافة، فقال الفريق القرشي على لسان أبي بكر: «أوَّل من عبد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقُّ الناس بهذا الأمر بعده، ولاينازعهم ذلك إلاّ ظالم.. وأنتم يا معشر الأنصار لا يُنكر فضلكم في الدين ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله.. فنحن الأمراء وأنتم الوزراء».

فقام أحد الأنصار معترضاً على كلام القرشيين ومذكراً بفضائلهم ونصرتهم للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنّهم أحقّ بالأمر من المهاجرين قائلاّ: «يا معشر الأنصار املكو عليكم أمركم، فإنّما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجير مجير على خلافكم، ولن يصدر الناس إلاّ عن رأيكم… أنتم أهل العزّ والثروة وأولو المنعة والنجدة، وإنّما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض أمركم. أنتم أهل الإيواء، وإليكم كانت الهجرة… وأنتم أصحاب الدار والإيمان… وأنتم أعظم الناس نصيباً في هذا الأمر».

إلاّ أن الفريق القرشي لم يذعن لحجّة الأنصار، وبقي مصراً على موقفه وأن المهاجرين أوّل الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأكثرهم ولادة في العرب، وأمسهم رحماً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم… ولن تعرف العرب هذا الأمر إلاّ لهذا الحي من قريش.

وحينها دبّ الضعف في الأنصار فقال البعض منهم: «منّا أمير ومنكم أمير»، فردَّ عليه عمر بقوله: «هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمِّركم والنبيُّ من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولِّي أمرها من كانت النبوَّة فيهم، ولنا بذلك الحجَّة الظاهرة، من نازعنا سلطان محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّ مدلٍ بباطلٍ، أو متجانفٍ لإثمٍ، أو متورِّطٍ في هلكة»!! وأنّ الأئمة من قريش– حديث فيه مناقشة في صياغته هذه- مما رجّح كفّة الفريق القرشي على الأنصاري.

يضاف إلى ما سطره كلّ من الخليفة الأول والثاني في الحوار إلاّ أنّه لا يمكن بحال من الأحوال الغاء الصراع التاريخي بين قبيلتي الأوس والخزرج ودوره في ترجيح كفة الفريق الآخر.

والشاهد على ذلك ما قام به بشير بن سعد عندما دعم الموقف القرشي بعد ان لاحت له بوادر تنصيب سعد بن عبادة للخلافة، حيث حذر الأنصار من خطورة الموقف وأنه لا ينبغي للانصار أن تنافس القرشيين على هذا المنصب.

فلما ذهب بشير ليبايع أبا بكر، ناداه الحباب ابن المنذر: «يا بشير بن سعد: عقتك عقاق، ما أحوجك إلى ما صنعت، أنفست– أي أحسدت- على ابن عمك– يعني سعد بن عباده- الإمارة».

و لما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عباده، قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد ابن حضير- وكان أحد النقباء: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبداً، فقوموا فبايعوا!!.

في تلك الأجواء التفت أبو بكر إلى المجتمعين قائلا: «هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا» فقالا: «لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك‏، وبايعا له».

فلما كان الغد اجتمع الناس في المسجد فخطبهم عمر بن الخطاب وأبو بكر صامت لا يتكلم. قال: «فان يك محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد مات فانّ الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به وأنّ أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثاني اثنين وأنّه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه».

ثم تكلم أبو بكر قائلا: «أما بعد أيها الناس فاني قد وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني»…ثم وعدهم بالعمل بكتاب الله وسنة نبيه والتمسك بهما.

وهنا قد يتسائل البعض عن هذه الحماسة للقيم والمثل والدفاع عن الدين الحنيف لماذا غابت عن هؤلاء النفر عندما تركوا جسد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام مسارعين إلى سقيفة بني ساعدة؟ وهل كانوا يجهلون مدى الخطورة في اتخاذ هكذا موقف جرّ على الامة الإسلامية الانقسام من يوم السقيفة وحتى يومنا هذا؟.

هذه اسئلة يجاب عليها عند الوقوف أمام محكمة العدل الالهي وعلى كلّ فريق أن يأتي بحجته.

وكان من بين المعترضين على البيعة رئيس الخزرجيين سعد بن عبادة، وأنّه لما طولب بالبيعة ردّ قال: امتنع سعد عن البيعة في فريق من قومه، وطولب بها فقال:

«لا ولله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، وأخضب منكم سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي».

وخرج في زمن خلافة عمر إلى حوران في بلاد الشام ولم يبايع، وقتل هناك– المشهور انه توفي في زمن خلافة أبي بكر- حيث نسبوا قتله إلى الجن ورووا على لسانها أنّها أنشدت شعراً بقتله. وفي ذلك يقول صاحب أنساب الاشراف: ويقال إنّه امتنع من البيعة لأبى بكر فوجّه إليه رجلا ليأخذ عليه البيعة وهو بحوران من أرض الشأم. فأباها، فرماه فقتله. وفيه يروى هذا الشعر الذى ينتحله الجنّ:

قتلنا سيد الخزرج         سعد بن عباده‏
رميناه بسهمين         فلم نخط فؤاده‏

وممن امتنع عن البيعة علي بن أبي طالب عليه السلام وبنو هاشم وعدد من الصحابة، وذكر بعض المؤرخين أن عليا عليه السلام لم يبايع طيلة الستة أشهر التي عاشتها السيدة فاطمة عليها السلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد ناقش بعض الباحثين في ذلك مستندا إلى أن فاطمة عليها السلام قد توفيت قبل ذلك يضاف إلى ذلك حبّ علي عليه السلام للخير وصلاح الأمّة يمنعانه من التأخر هذه المدة وثالثا أنّه من البعيد أن يكون القوم قد صبروا على معارضة أمير المؤمنين عليه السلام طوال هذه المدة التي بذلوا فيها جهودا كبيرة لترسيخ حكم الخليفة الأول وإضفاء الشرعية عليه.

معالم شخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

السمعة الحسنة ونقاء السيرة

عاش النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الوسط المكّي أربعين عاماً قبل أن يهبط عليه الوحي. عرف خلالها بنقاء السيرة وطهارتها متحلياً بالخصال الحميدة حتى عرف في الوسط المكي بالصادق الأمين، حتى أنّه عندما بعث بإبلاغ الرسالة لم تجد قريش ما يدعوها للتشكيك بصدقه وأمانته، وإنّما جحدوا الآيات التي جاء بها كما يوحي لنا بذلك قوله تعالى: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ». وروى سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي أبا جهل، فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك، فقال: «والله إنّي لأعلم إنّه صادق، ولكنا متى كناً تبعا لعبد مناف!».

عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله من أخلاق النبيّين والصّديقين، البشاشة إذا تراؤا، والمصافحة إذا تلاقوا..الزمخشري، ربيع الأيام ونصوص الأخبار: ج2، ص413.

وقال السدّي التقى أخنس ابن شريق وأبو جهل بن هشام فقال له: «يا أبا الحكم أخبرني عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم أ صادق هو أم كاذب؟ فإنّه ليس هاهنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا.» فقال أبو جهل: «ويحك، والله إنّ محمداً لصادق، وما كذب قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوة، فما ذا يكون لسائر قريش؟!».

وإلى هذا المعنى أشار صلى الله عليه وآله وسلم حينما أخذ الإقرار من قريش بصدقه قبل أن يبلغهم الرسالة حينما خاطبهم بقوله: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟».

فقالوا: «بلى والله، ما جربنا عليك كذباً». فقال: «إنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد».

يضاف إلى سجاياه الحميدة وخلاله النقية كرم منبته وطهارة آبائه وشرف أجداده كـقصي بن كلاب وهاشم وعبد المطلب. ومن هنا كان لهذا العامل الدور الفاعل في اعتناق العرب وخاصة القرشيين منهم الدين الإسلامي؛ لما انطوت عليه أخلاقياتهم من الانطواء القومي كما توحي بذلك الآيات الكريمة:

«وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى‏ بَعْضِ الْأَعْجَمينَ* فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنينَ». *وقوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ رَؤُفٌ رَحيم‏».

مكارم الأخلاق

أشار القرآن الكريم إلى الدرجة الرفيعة والخلق السامي الذي كان يتحلى به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في قوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظيمٍ».

طفولة النبي محمد (ص)

وما سئل شيئاً قط فقال لا، وما رد سائل حاجة قط إلاّ بها أو بميسور من القول، وكان أخف الناس صلاة في تمام، وكان أقصر الناس خطبة وأقلهم هذر، وكان يعرف بالريح الطيب إذا أقبل.
الطبرسي، مكارم الأخلاق: 23

وجاء في وصف أخلاقه أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان أشجع وأحلم وأعدل وأعف وأسخى الناس جميعاً، وكان أزهد الناس وأبسطهم في العيش، وكان أشد الناس حياءً، وكان أسمح الناس وأسهلهم، وكان يجيب دعوة الحرّ والعبد، ويقبل الهدية ولو أنّها جرعة لبن، ويكافئ عليها أحسن مكافأة، وكان يغضب لله ولا يغضب لنفسه، وكان متواضعاً في أكله، ويؤاكل المساكين ويجالس الفقراء، ويكرم أهل الفضل، ولا يجفو أحداً، وكان يعود المريض كائناً من كان وكيف كان، ويشيّع الجنائز، ويمشي وحده ولا يتخذ حاشية أبداً، وكان يحبّ الطِّيب حبّاً جمّاً.. وكان لا يمضي عليه وقت ليس في طاعة الله، وكان يبدأ مَن لقيه بالسلام، ومن قام معه في حاجة سايَرَه حتى يكون هو المنصرف، وكان إذا لقي أحداً من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ يده وشابكه ثم قبض عليها.

ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراماً لهم وتعظيماً، فإذا لم يكن لأحد كنية كنّاه من جديد حتى يكنَّى بها.

والمرأة إن كان لها ولد كناها به، وإن لم يكن لها ابتدأ بكنية لها جديدة. حتى الصبيان فإنه كان يكنيهم. وكان أبعد الناس غضباً على أحد، وأسرعهم رضىً، وأرقهم لهم قلباً، وخيرهم لهم نفعاً، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه: من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبّه.

وعن أَبي عبد اللَّه الصادق عليه السلام قال: «كان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يَقْسِمُ لحظَاتِهِ بينَ أَصحابهِ فينظُرُ إلى ذَا وينظُرُ إلى ذا بالسَّوِيَّة». «وكانَ لَيُصَافِحُهُ الرَّجُلُ فما يتركُ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يدهُ من يدهِ حتَّى يكون هو التَّارك».

وكان يحدث الناس على قدر عقولهم. وكان لايغضب لنفسه ولا يُكَلِّمُ أَحداً بشيْ‏ءٍ يكرهُهُ وكان عفوا. حتى أنّه عفا عن قاتل حمزة وعن عدوه اللدود ورأس الشرك أبي سفيان.

زهده

وأمَّا زهده فكان من العظمة بحيث أن مظاهر الدنيا الخلابة لم تفتنه ولم تشدّده إليها، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يعيش في بيت متواضع من الطين بناه إلى جانب المسجد، وكان دور نسائه مسقفة بجذوع النخل، وكانت وسادته التي ينام عليها بالليل من أدم حشوها ليف، وفراشه من أدم بفتحتين جمع أدمة أو أديم وهو الجلد المدبوغ، ولم يكن ذلك من فقر او فاقة بعد حنين التي غنم المسلمون فيها الآلاف من النوق والاغنام بالأضافة إلى الذهب والفضة التي وزّعها على المسلمين ولم يدخر منها شيئا.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم زاهداً في مطعمه ومشربه، فربما مرّ عليه الشهور ولم تشتعل النار في بيته صلى الله عليه وآله وسلم، وما شبع من طعام قط. وكان مع أصحابه في حفر الخندق إذ جاءت ابنته فاطمة عليها السلام ومعها كسيرة من خبز- شعير- فدفعتها إليه، فقال: «ما هذه الكسيرة». قالت: «خبزتُه قرصاً للحسن والحسين وجئت منه بهذه الكسيرة». فقال: «يا فاطمة عليها السلام، أما إنّه أوّل طعامٍ دخل جوف أبيك منذ ثلاث».

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يشد على بطنه أحياناً حجر المجاعة، وتوفي صلى الله عليه وآله وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله.

النظام والأناقة

عرف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حياة النظام والأناقة، حتى إنّه وضع لكل اسطوانة من اسطوانات المسجد اسماً يوافق المهمة التي تدار عندها كأسطوان المهاجرين، وأسطوان أبي لبابة، وأسطوان الحرس وأسطوان الوفود، وأسطوان التهجد و… وكان يهتمّ بصفوف المصلين فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة» ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وروى الطبراني عن بلال قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسوي مناكبنا في الصلاة».

وكان مهتمّا بتنظيم وقته بين العبادة والعمل والاسرة. وكان مهتما بمظهره الخارجي حتى إذا خرج نظر في المرآة وصفف شعر رأسه ولحيته. وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يدع في سفره وحضره خمسة اشياء: المرآة والمكحلة والمشط والدهن والسّواك.
الرسول الأمّي

كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أميّاً لا يعرف القراءة والكتابة، وهذا ما أشارت إليه الآية المباركة: «وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إذا لاَرْتابَ الْمُبْطِلُون‏».


مقتطفات من كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)

لا یشبع المؤمن دون جاره.

لا یفتك مؤمن.

لا إيمان إلاّ بعمل، ولا عمل إلاّ بيقين.

ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَلَا يُعْتَدَّنَّ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عَمَلِهِ: تَقْوَى يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، أَوْ حِلْمٌ يَكُفُّ بِهِ السَّفِيهَ، أَوْ خُلُقٌ يَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ.

اسمح يسمح لك.

إِنَّ أَسْرَعَ الْخَيْرِ ثَوَاباً الْبِرُّ وَأَسْرَعَ الشَّرِّ عُقُوبَةً الْبَغْي.

آفة الدين ثلاثة: فقيه فاجر وإمام جائر ومجتهد جاهل.

أبغض الحلال الی الله الطلاق.

اتخذوا عند الفقراء أيادي، فإن لهم دولة يوم القيامة.

خيركم أحسنكم خلقا.

سئل عن أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللَّهِ قَالَ: أَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ.

خیاركم خیاركم لنسائهم.

مكانته صلى الله عليه وآله وسلم في الفكر الشيعي

أجمعت الشيعة على رسالته وخاتميته، وأنّه لا نبي بعده، وأنّه من أولي العزم من الأنبياء جاء بشريعة خاصة من الله تعالى، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم يقع في قمة هرم المعصومين الأربعة عشر الذين تؤمن الشيعة بعصمتهم في الوسط الإسلامي، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم معصوم بالأضافة إلى تلقّي الوحي وتبليغة في سائر شؤون حياته قبل البعثة وبعدها، وقد جاء ـ لإثبات صدق مدّعاه – بكثير من المعاجز يقع القرآن في الصدارة منها.

مصادر الحديث النبوي

بما أن الشيعة يؤمنون بأنّ الأئمة الاثني عشر عليه السلام إضافة إلى السيدة الزهراء عليها السلام هم الطريق الأمين والمعصوم من الخطأ في فهم سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونقلها، من هنا ذهبوا إلى القول بأن ما ورد عنهم عليه السلام يتطابق مع سنة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعليه اعتبروا الكتب الحديثية الأربعة الكافي، التهذيب، من لا يحضره الفقيه والاستبصار بمثابة المرآة التي تطل على شريعة الرسول وسنته صلى الله عليه وآله وسلم.

ومع ذلك فقد أفرد بعض الأعلام مؤلفات خاصة أدرج فيها ما روي على لسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، منها:

تحف العقول عن آل الرسول(ص) لـابن شبعة الحراني من أعلام الإمامية في القرن الرابع الهجري أفرد به باباً خاصا لكلمات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

المجازات النبوية، للشريف الرضي حرص مؤلفات على رصد الجانب الأدبي والبلاغي كالإشارات والتنبيهات والكنايات والتشبيهات في كلمات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

مكاتيب الرسول (ص) للشيخ علي الأحمدي الميانجي، جمع في رسائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكتبه التي بعث بها إلى الملوك والعمال و… إضافة إلى بعض المواضيع المتفرقة.

سنن النبي (ص)، للعلامة السيد الطباطبائي، ركّز فيه المؤلف على رصد سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته الأخلاقية بصورة عامة ومنهجة في السير والسلوك مما يمثل سنته صلى الله عليه وآله وسلم. نهج الفصاحة، لـأبي القاسم باينده، جمع فيه أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخطبه وكلماته أيضاً.

الإمام الصادق (عليه السلام)

جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام المعروف بالإمام الصادق عليه السلام وهو الإمام السادس للشيعة الإمامية الإثني عشرية. ولد في المدينة سنة 83 هـ.ق وتوفي فيها سنة 148 هجرية عن عمر يناهز الـ 65 عاماً ودفن في البقيع إلى جانب أبيه الإمام الباقر قالب:علیه السلام وجده الإمام السجاد عليه السلام وعمّه الإمام الحسن عليه السلام. أمّة أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر. وكانت إمامته 34 عاماً، يكنى بأبي عبد الله واليه ينسب المذهب الجعفري.

روي عنه عليه السلام كم وافر جداً من الاحاديث وكان له النصيب الاوفر في هذا المجال حيث توزعت رواياته على شتى صنوف العلم و المعرفة من المسائل الفقهية والكلامية و… ومن هنا نسب المذهب الشيعي اليه عليه السلام. وقد وفرّت فترة الانفتاح الذي حدث ما بين نهاية الدولة الاموية و بداية الدولة العباسية حرية الحركة للإمام لنشر معالم الدين. و في أوائل العقد الثالث من المائة الثانية للهجرة جعل الناس يقصدونه عليه السلام فصار منهلا للعلوم والمعارف ومصدرا للأحكام و غيرها.

وقد أقر بهذه الحقيقة إبن حجر وهو من علماء العامة حينما قال: وخلف– الامام الباقر عليه السلام- ستة أولاد أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق ومن ثم كان خليفته ووصيه ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني.

كما أقر المؤرخون وعلماء الرجال بأنفراده عليه السلام بكثرة التلاميذ فلم يكن لأحد من أهل بيت رسول الله تلامذةً كما كان له عليه السلام، وكذلك امتاز بكثرة المرويات عنه. وقد ذكر أصحاب الحديث والرجال أربعة آلاف راوٍ نقلوا عنه الحديث. وقد أبهر العقول وأخرس ألسنة المعارضين بإمارات إمامته عليه السلام.

استشهد مسموماً على يد أبي جعفر المنصور.

نسبه، كنيته ولقبه

هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) الإمام السادس للشيعة وخامس إمام من نسل أمير المؤمنين عليه السلام، يكنى بأبي عبد الله ومن أشهر ألقابه «الصادق». ومن ألقابه الصابر، الطاهر، والفاضل وإنما اشتهر بالصادق لشهادة فقهاء ومحدثي عصره له بصدق الحديث حتى ممّن لم ينتسب الى مدرسته.

أمّه: فاطمة أو قريبة وكنيتها أم فروة وهي ابنة القاسم بن محمد بن أبي بكر.

ولادته ووفاته

پولد الإمام الصادق عليه السلام في عام 83 هـ ق وتوفي فيها سنة 148 هـ ق عن عمر ناهز الخامسة والستين عاما ودفن في مقبرة البقيع الى جانب أبيه الباقر عليه السلام وجده الإمام السجّاد عليه السلام وعمّه الإمام الحسن عليه السلام .

ولد بالمدينة يوم الجمعة عند طلوع الفجر ويقال يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وقالوا سنة ست و ثمانين. فأقام مع جده اثنتي عشرة سنة ومع أبيه تسع عشرة سنة وبعد أبيه أيام إمامته أربعا وثلاثين سنة.

وهناك من ذهب الى أن ولادته كانت في سنة 80 هـ.ق ووفاته سنة 146 حسب ما نقل ابن قتيبة.

استشهاده

استشهد الإمام مسموماً كما جاء في الفصول المهمة ومصباح الكفعمي والكتب الأخرى وقال إبن شهر آشوب في المناقب: سمّه المنصور ودفن بالبقيع‏. لحقده الشديد عليه وخوفه من إلتفاف الناس حوله. وقد عرف المنصور ببطشه وقسوته التي لم ينجوا منها حتى الذين أوصلوه للحكم والخلافة كأبي مسلم الخراساني الذي كان له الدورالأبرز في نشوء الدولة العباسية. ومن كان هذا شأنه فمن الطبيعي أن لايطيق وجود شخص يخشاه على سلطانه ويعلم مدى محبة الناس له واحترامهم إياه (ع).

زوجاته وأولاده

الأُنسُ في ثَلاثٍ : فِي الزَّوجَةِ المُوافِقَةِ و الوَلَدِ البارِّ و الصَّديقِ المُصافِي.—تحف العقول ، ص 315

إحدى زوجاته فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين وهي أم لثلاثة من أولاده؛ والثانية أم ولد انجبت له ثلاثة آخرين؛ مع زوجات أخريات.

اختلف العلماء في عدد أولاده والمشهور فيهم ما ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد، قال: وكان أولاد أبي عبد اللّه عليه السلام عشرة:

إِسماعيل وعبد الله وأم فروة أمهم فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي عليه السلام.

موسى وإسحاق ومحمد لاُمّ ولد (تكنى أم حميدة).

العباس وعلي وأسماء وفاطمة لاُمّهات شتّى.

كان إِسماعيل أكبر أولاد الصادق عليه السلام ، وكان الإمام شديد المحبّة له والبرّ به والإشفاق عليه، حتى ظن بعض الشيعة أنه خليفته، ولما مات في حياة الإمام الصادق عليه السلام حاول الامام إزالة هذه الشبهة من الاذهان فقام بحركة تكشف عن زيف ذلك الظن، فقد روي أنه بعد أن مات اسماعيل وغطّي أمر بأن يكشف عن وجهه وهو مسجّى، ثمّ قبَّل جبهته وذقنه ونحره، ثمّ أمر به فكشف وفعل به مثل الأوّل، ولمّا غُسّل واُدرج في اكفانه أمر به فكشف عن وجهه ثمّ قبّله في تلك المواضع ثالثاً، ثمّ عوَّذه بالقرآن، ثمّ أمر بإدراجه. وفي رواية اُخرى أنه اُمر المفضّل بن عمر فجمع له جماعة من أصحابه حتّى صاروا ثلاثين، وفيهم أبو بصير وحمران بن أعين وداود الرقي، فقال لداود: اكشف عن وجهه، فكشف داود عن وجه إِسماعيل، فقال: تأمّله يا داود فانظره أحيّ هو أم ميّت؟ فقال: بل هو ميّت، فجعل يعرض على رجل حتّى أتى على آخرهم، فقال: اللّهمّ اشهد، ثمّ أمر بغسله وتجهيزه، ثمّ قال: يا مفضّل احسر عن وجهه، فحسر عن وجهه، فقال: حيّ هو أم ميّت؟ انظروه جميعكم، فقالوا: بل هو يا سيّدنا ميّت، فقال: شهدتم بذلك وتحققتموه ؟ قالوا: نعم.
الإمامة

كانت إمامته 34 عاماً عاصر خلالها بقية ملك هشام بن عبد الملك وملك الوليد بن يزيد بن عبد الملك وملك يزيد بن الوليد بن عبد الملك الملقب بالناقص و ملك إبراهيم بن الوليد و ملك مروان بن محمد الحمار ثم صارت المسودة من أهل خراسان مع أبي مسلم سنة اثنتين وثلاثين ومائة فملك أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقب بالسفاح أربع سنين وثمانية أشهر. ثم ملك أخوه أبو جعفر عبد الله الملقب بالمنصور إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا.

دلائل امامته

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْضَحَ بِأَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا عَنْ دِينِهِ وَ أَبْلَجَ بِهِمْ عَنْ سَبِيلِ مِنْهَاجِهِ وَ فَتَحَ بِهِمْ عَنْ بَاطِنِ يَنَابِيعِ عِلْمِهِ فَمَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص وَاجِبَ حَقِّ إِمَامِهِ وَجَدَ طَعْمَ حَلَاوَةِ إِيمَانِ.—أبوعبدالله جعفر بن محمد عليه السلام)

نقل المحدثون روايات عن الإمام الباقر عليه السلام تدل على إمامة ابنه جعفر كهشام بن سالم، وأبي الصباح الكناني، وجابر بن يزيد الجعفي، وعبد الأعلى مولى آل سام.

وقال الشيخ المفيد: وكان الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليه السلام من بين إخوته خليفة أبيه محمد بن علي عليه السلام ووصيه والقائم بالإمامة من بعده وبرز على جماعتهم بالفضل وكان أنبههم ذكرا وأعظمهم قدرا وأجلهم في العامة والخاصة.

النهضة العلمية

من الحقائق التي سجلها التاريخ انه و بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان الخلفاء يرجعون كثيراً الى الإمام علي عليه السلام في حل المسائل الفقهية وغيرها التي تواجههم، الا أنه و بعد شهادته عليه السلام ضيّق السلطات على أولاده وشيعته وحالوا فيما بينهم وبين الجماهير، هذا من جهة. ومن جهة اخرى قام النفعيون والوضّاع بدسّ الأحايث المكذوبة إرضاءً للحكّام حتى أصبح تمييز الحديث الصحيح عن غيره صعباً جداً. بل يمكن القول أنه ومنذ سنة 40 هـ ق الى أواخر القرن الأول الهجري لم يكن يعرف فقه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلمإلا عدد قليل من الصحابة والتابعين. ثم حدث انفراج بسيط في عصر الإمام الباقر عليه السلام سرعان ما انتشرت وتوسعت في عصر الإمام الصادق عليه السلامما بين 114- 148 والذي يعد– بحق- عصر انتشار فقة آل محمد (ص). وبعبارة أخرى: عصر تدريس الفقة الجعفري. مما احدث تحولا في الساحة العلمية والفكرية للمدينة المنورة.

تزامن عصر الإمام الصادق عليه السلام مع ضعف وزوال حكم بني مروان، فكما تهيأت الأجواء للحريات السياسية والثورات الدينية، كذلك الحال بالنسبة لحرية البحث والمناظرات العلمية و نشر المعارف في مختلف الأقسام.

وإنما سمّي المذهب الشيعي بالمذهب الجعفري للجهود العلمية الكبيرة والتراث الروائي الكثير الذي صدر عن الإمام الصادق عليه السلام في مختلف المسائل الفقهية والكلامية.

وقد أقر بهذه الحقيقة إبن حجر وهو من علماء العامة حينما قال: وخلف– الإمام الباقر عليه السلام – ستة أولاد أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق ومن ثم كان خليفته ووصيه ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني.

كما أقر المؤرخون وعلماء الرجال بأنفراده عليه بكثرة التلاميذ فلم يكن لأ حد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلامذة كما كان له، وكذلك امتاز بكثرة المرويات عنه. وقد ذكر أصحاب الحديث والرجال أربعة آلاف نهلوا من نمير علمه. وقد أبهر العقول وأخرس ألسنة المعارضين بإمارات إمامته..

الفقة
(حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه و لا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا و إن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها لنا من جميعها المخرج.—الامام جعفر الصادق عليه السلام.)

روى الذهبي عن أبي حنيفة انه قال: أفقه من رأيت جعفر بن محمّد عليه السلام.

وأما مالك بن أنس وهو أحد أئمة المذاهب الأربعة المعروفة قال: لم أر أفضل منة فضلاً وعلماً وتقى.

التقى أبو حنيفة الإمام الصادق (ع) مرات عديدة كما ذكر ذلك الزبير البكار وكان يعمل بالرأي والقياس في فتاواه وقلّما يستند الى الرواية.

وروى عن عبد الله بن شبرمة قاضي الكوفة سنة 120 هـ ق، قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد (ع)، فسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر عليه السلام فقلت أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعقل. فقال له جعفر عليه السلام لعله الذي يقيس الدين برأيه ثم أقبل علي فقال هذا النعمان بن ثابت فقال أبو حنيفة: نعم، أصلحك الله. فقال : اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس إذ أمره الله بالسجود فقال «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ».

ثم قال له جعفر عليه السلام: أيما أعظم عند الله، قتل النفس، أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس. قال له جعفر عليه السلام: فإن الله قد رضي في قتل النفس بشاهد، ولم يقبل في الزنا إلا بأربعة!!. ثم قال له: أيما أعظم عند الله، الصوم، أو الصلاة؟ قال: لا، بل الصلاة. قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام، و لا تقضي الصلاة اتق الله يا عبد الله، فإنا نحن وأنتم غدا و من خالفنا بين يدي الله، فنقول قلنا: قال رسول الله (ص)، وتقول أنت وأصحابك: حدثنا وروينا، فيفعل بنا وبكم ما شاء الله.

تربية المتكلمين

روى الكليني عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فورد عليه رجل من أهل الشام، فقال: إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض وقد جئت لمناظرة أصحابك … فالتفت إلي أبو عبد الله عليه السلام فقال: يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته. قال يونس: فيا لها من حسرة! فقلت: جعلت فداك سمعتك تنهى عن الكلام وتقول ويل لأصحاب الكلام… فقال أبو عبد الله (ع): إنما قلت ويل لقوم تركوا قولي بالكلام وذهبوا إلى ما يريدون.

ثم قال: اخرج إلى الباب فمن ترى من المتكلمين فأدخله قال: فخرجت فوجدت حمران بن أعين وكان يحسن الكلام ومحمد بن نعمان الأحول (مؤمن الطاق) وكان متكلما وهشام بن سالم وقيس الماصر وكانا متكلمين وكان قيس عندي أحسنهم كلاما وكان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين عليه السلام فأدخلتهم فلما استقر بنا المجلس فإذا هشام بن الحكم وهو أول ما اختطت لحيته وليس فينا إلا من هو أكبر منه سنا فوسع له أبو عبد الله (ع) وقال: ناصرنا بقلبه ولسانه ويده، ثم قال لحمران: كلم الرجل يعني الشامي فكلمه حمران وظهر عليه ثم قال يا طاقي كلمه فكلمه فظهر عليه محمد بن نعمان ثم قال لهشام بن سالم كلمه فتعارفا ثم قال لقيس الماصر كلمه وأقبل أبو عبد الله عليه السلام يتبسم من كلامهما وقد استخذل الشامي في يده ثم قال للشامي كلم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم فقال نعم ثم قال الشامي لهشام: يا غلام سلني في إمامة هذا يعني أبا عبد الله عليه السلام فغضب هشام حتى ارتعد، ثم قال له: أخبرني يا هذا أربك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم؟ فقال الشامي: بل ربي أنظر لخلقه.

قال: ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا قال كلفهم وأقام لهم حجة و دليلا على ما كلفهم به و أزاح في ذلك عللهم، فقال له هشام: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم؟ قال الشامي: هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلممن؟ قال: الكتاب والسنة. فقال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه حتى رفع عنا الاختلاف ومكننا من الاتفاق؟ فقال الشامي: نعم. قال هشام: فلم اختلفنا نحن وأنت جئتنا من الشام تخالفنا وتزعم أن الرأي طريق الدين وأنت مقرّ بأن الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين؟! فسكت الشامي كالمفكر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما لك لا تتكلم؟ قال: إن قلت إنا ما اختلفنا كابرت وإن قلت إن الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت لأنهما يحتملان الوجوه ولكن لي عليه مثل ذلك فقال له أبو عبد الله سله تجده مليا، فقال الشامي: لهشام من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم؟ فقال: بل ربهم أنظر لهم.

فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم ويرفع اختلافهم ويبين لهم حقهم من باطلهم؟ فقال هشام: نعم. قال الشامي: من هو؟ قال هشام: أما في ابتداء الشريعة فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما بعد النبي فعترته. قال الشامي: من هو عترة النبي القائم مقامه في حجته؟ قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله؟ قال الشامي: بل في وقتنا هذا. قال هشام: هذا الجالس يعني أبا عبد الله عليه السلام الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء وراثة عن جده. قال الشامي: وكيف لي بعلم ذلك. فقال هشام سله عما بدا لك. قال الشامي: قطعت عذري فعلي السؤال…. فقال الشامي أسلمت لله الساعة! فقال له أبو عبد الله عليه السلام: بل آمنت بالله الساعة إن الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون.

وهناك الكثير من هذه الحوارات والمناظرات التي أظهرت مقام الإمامة الشامخ وبراعة الأئمة من خلال تربية المتناظرين البارعين في علم الكلام ومقدماتة.

الإمام والثورات المعاصرة

ثورة زيد بن علي

(أثافي الاسلام ثلاثة: الصلاة والزكاة والولاية، لا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها.الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢،الصفحة ١٨.)

وصف الإمام الصادق عليه السلام عمّه زيد بن علي بن الحسين بقوله: كان من علماء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم غضب للّه عزّ وجلّ فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله. ويستفاد من مضمون بعض الروايات تأييد الإمام الصادق عليه السلام لثورة عمّه زيد كما نقل ذلك الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا: أنه لما حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا عليه السلام وقال له: يا أبا الحسن لئن خرج أخوك وفعل ما فعل لقد خرج قبله زيد بن علي فقتل ولو لا مكانك مني لقتلته فليس ما أتاه بصغير! فقال الرضا عليه السلام: يا أمير المؤمنين لا تقس أخي زيدا إلى زيد بن علي! فإنه كان من علماء آل محمد (ص) غضب لله عز وجل فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر عليه السلام: أنه سمع أباه جعفر بن محمد بن علي عليه السلام يقول: رحم الله عمي زيدا إنه دعا إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، ولقد استشارني في خروجه فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك، فلما ولّى، قال جعفر بن محمد عليه السلام: ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه.‏

وجاء في روايةٍ أخرى عن عبد الله سيابة قال: خرجنا ونحن سبعة نفر فأتينا المدينة فدخلنا على أبي عبد الله الصادق عليه السلام فقال لنا: أعندكم خبر عمي زيد؟ فقلنا: قد خرج أو هو خارج.

قال: فإن أتاكم خبر فأخبروني. فمكثنا أياما فأتى رسول بسام الصيرفي بكتاب فيه: أما بعد فإن زيد بن علي عليه السلام قد خرج يوم الأربعاء غرة صفر فمكث الأربعاء والخميس وقتل يوم الجمعة وقتل معه فلان وفلان. فدخلنا على الصادق عليه السلام فدفعنا إليه الكتابة فقرأه وبكى ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون عند الله تعالى أحتسب عمّي إنه كان نعم العم، إن عمّي كان رجلا لدنيانا وآخرتنا مضى والله عمّي شهيدا كشهداء استشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلموعلي و ولحسن والحسين (عليهم السلام).

وفي رواية ثالثة في باب الخروج بالسيف قبل ظهور القائم: ولا تقولوا خرج زيدٌ فإِنَّ زيداً كان عالماً وكان صدُوقاً ولمْ يدعُكمْ إِلى نفسه إِنَّما دعاكم إِلى الرِّضا منْ آل مُحمد عليه السلام ولو ظهر لوفى بما دعاكم إِليه.

الثورات الأخرى

لم تحظ أكثر الثورات بتأييد الإمام ولم يستجب للذين كانوا يعرضون علیه النصرة لأنه كان يرى أنّ الأولوية هي لنشرعلوم آل محمد وفقهم. بل لأن الكثير من الرجال ممن يدعون بني هاشم للثورة ويعدونهم بالنصرة كانوا هم طامحين في السلطة وساعين للحصول عليها ولم يكن هدفهم إحياء السنّة والقضاء على البدع كما يدعون.

ولكي نبيّن السبب في عدم إستجابة الإمام لأولئك الأشخاص، نشير باختصار الى بعض الحوادث التي حصلت في عام 132هـ والتي اشار اليها مؤلف كتاب الكامل في التاريخ يقول: لما إنتشرت دعوة العباسيين في شرق ايران وإتحدت القحطانية مع سكان تلك المناطق ضد المروانيين ومواجهة واليهم هرب حاكم خراسان نصر بن سيار، وارسل ابو مسلم قحطبة بن شيب للقضاء على جيش مروان بن محمد الذي كان متوجهاً إلى خراسان حيث وقعت بينهم معركة عند شاطئ الفرات قُتل فيها قحطبة وبايع الجنود ابنه حسن، وكان قحطبة قد اوصى جيشة قبل موتة قائلاً: إذا دخلتم الكوفة فاذهبوا الى أبو سلمة الخلال وأطيعوه. فدخل حسن بجنودة الى الكوفة في محرم سنة 130 هـ.ق.

في ذلك الحين مات إبراهيم الإمام داعي العباسين في السجن وكان قد أمر أنصاره قبل موتة بالذهاب الى الكوفة وأن يكونوا تحت راية أبي العباس السفاح.

وصل أبو العباس مع أهله الى الكوفة سنة 132 هـ فأنزلهم أبو سلمة الخلّال دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني داوود وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القوّاد والشيعة. وأراد فيما ذكر أن يحوّل الأمر إلى آل أبي طالب لمّا بلغه الخبر عن موت‏ إبراهيم الإمام‏، وكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا.

وذكر اليعقوبي: أن أبا سلمة إنما أخفى أبا العباس وأهل بيته بها، ودبر أن يصير الأمر إلى بني علي بن أبي طالب (ع)، وكتب إلى جعفر بن محمد (ع) كتابا مع رسول له، فأرسل إليه: لست بصاحبكم، فإن صاحبكم بأرض الشراة، فأرسل إلى عبد الله بن الحسن يدعوه إلى ذلك، فقال: أنا شيخ كبير وابني محمد أولى بهذا الأمر، وأرسل إلى جماعة بني أبيه، وقال: بايعوا لابني محمد، فإن هذا كتاب أبي سلمة حفص بن سليمان إليّ. فقال جعفر بن محمد: أيها الشيخ! لا تسفك دم ابنك، فإني أخاف أن يكون المقتول بأحجار الزيت‏ (منطقة في خارج المدينة قُتل فيها محمد).

ونقلت بعض المصادر الأخرى أن الإمام وضع كتاب أبي سلمة في النار حتى احترق- وأبى أن يقرأه.

فقال رسول أبي سلمة: ألا تجيبه؟ قال: قد رأيت الجواب.

وذلك لأن الإمام أدرك أن حركة الرجل ودوافعه سياسية محضة ولم يكن الرجل مؤمناً بإمامة الامام الصادق (ع) ولم يكن من رجاله والا لما ارسل في الوقت نفسه كتابا مشابها الى عبد الله بن الحسن يعرض عليه نصرته والتصدي للثورة.

هناك واقعة أخرى يرويها الكليني عن سدير الصيرفي قال: دخلت على الصادق عليه السلام وقلت له: والله ما يسعك القعود!.

قال: و لم يا سدير؟!

قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك والله لو كان لأمير المؤمنين عليه السلام مثل ما لك من الأنصار والموالي والشيعة ما طمع فيه تيم و لا عدي!

فقال: و كم عسى أن يكونوا؟

قلت: مائة ألف

فقال: مائة ألف!

فقلت: مائتا ألف.

فقال: مائتا ألف!.

فقلت: نعم و نصف الدنيا.

فسكت عني ثم قال: يجب عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع، قلت: نعم.

فأمر بجمل وبغل أن يسرجا فبادرت إلى الجمل فركبته، فقال: يا سدير ترى أن تؤثرني بالجمل، فقلت له: البغل أرفق.

فقال: الجمل أرفق لي فنزل وركب الجمل وركبت البغل فمضينا فجاءت الصلاة فقال: يا سدير انزل بنا نصلي ولكن هذه أرض السبخة لا يجوز الصلاة فيها فسرنا حتى صرنا في أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جديا فقال: يا سدير والله لو كان لي بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود، ونزلنا فصلينا فلما فرغنا من الصلاة عددت الجديان فإذا هي سبعة عشر جدي.
المنتخب من كلامه

سأله رجل أن يعلّمه ما فية خير الدنيا والآخرة ،فقال: لاتكذب.

اتّقِ اللّه بعض التُقى وإِن قَلّ، ودع بينك وبين اللّه ستراً وإِن رق.

سئل الصادق عليه السلام: لم حرم اللّه الربا؟ وأجاب: لئلا يتمانع الناس المعروف.

إن الرجل ليسألني الحاجة فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها فلا يجد لها موقعا إذا جاءته.

العلماء اُمناء الرُسل ما لم يأتوا أبواب السلاطين.

أصحابه و تلامذته

بلغ عدد تلامذة الإمام الصادق عليه السلام الذين نهلوا من نمير علمه أربعة آلاف والمراد من ذلك الذين تلمذوا على يديه خلال مدة إمامتة أفراداً وجماعات لا أنهم كانوا يحضرون مجلس درسه الشريف دفعة واحدة.

وعن صاحب كشف الغمة أنّه: روى عن جعفر عدة من التابعين منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختياني وأبان بن تغلب وأبو عمر بن العلا ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وحدّث عنه من الأئمة الأعلام مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وابن جريح وعبيد الله بن عمرو وروح بن القاسم وسفيان بن عيينة وسليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر وحاتم بن إسماعيل وعبد العزيز بن المختار ووهب بن خالد وإبراهيم بن طهمان‏. وهناك من عدّ جابر بن حيّان الكوفي من تلامذته أيضا.


كلمات أكابر العامّة في حقة

ترجم له إبن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب قائلا: جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي.أبو عبد الله المدني الصادق. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من سادات أهل البيت (عليهم السلام) فقهاً وعلماً وفضلاً.

المصدر : ويكي شيعة

شاهد أيضاً

الإمام المهدي خليفة الله في أرضه(عجّـل الله فرجه)

انّ النعوت التي وردت في وصف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) كثيرة. وأردت أن أستطرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *