الامام علي عليه السلام والعدالة الاجتماعية

الامام علي عليه السلام والعدالة الاجتماعية

الأئمة المعصومونشفقنا العربي: في البعد الاجتماعي لمفاهيم العدالة استند الإمام علي على المفاهيم التي تدعو إلى شراكة الناس في الأمور الأساسية كما هو قول النبي محمد “الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار”.. وكان يشدّد على ازدرائه الفقر ويعتبره آفة ونقمة حتى وإنه يقول “لو تمثّل لي الفقر رجلاً لقتلته”، وقد مجّد الإمام علي العمل المنتج مثلما فعل النبي محمد (ص) وكان يفضّله على كلّ صوم أو صلاة رغم أنه من الفرائض، وقد ردّد النبي محمد (ص) القول بأن “تفكير ساعة واحدة خير من عبادة سنة”، والدين عندهما “معاملة” قبل كلّ شيء، أي “سلوك وتصرّف وقيم ومفاهيم وحقوق”، وهو بهذا المعنى “إمام المتّقين” كما أطلق عليه عبد الرحمن شرقاوي.

وعلى الرغم من إيمان الإمام علي بحياة الآخرة وزهده بالحياة الدنيا، إلّا أنه كان يؤكّد على الإنسان أن يعيش لدنياه كما يعيش لآخرته، ولعلّ قوله البليغ “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً” دليل بُعد نظره ورجاحة عقله ونظرته المتوازنة المعتدلة.

آثار العدالة الاجتماعية

وبصدد إطلاع الرعيّة على شؤون الحكم أو ما يسمى اليوم بالعلانية والمصارحة والشفافية، فقد دعا الإمام علي ولاته إلى عدم إخفاء الأسرار عن الرعيّة وطالب أحد ولاته “بألا يحتجز دونهم سرّاً ولا يطوي دونهم أمراً”.

التشاور والرؤية

وكان يؤكد على أهمية سماع الرأي الآخر وذلك حين يقول “من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الأخطاء”، وهذه بعض مفاهيم العصر الحديث التي راجت في أواخر القرن العشرين. وعلى الرغم من أنه يقلّب وجوه الآراء ويستشير، لكن صوته الخاص يبقى متميزاً مع احترام رأي الجماعة ولعلّه القائل: “إن رأياً واحداً شجاعاً أغلبية”.

كان الإمام علي بعيداً عن روح التعصّب والمحسوبية والمنسوبية، محباً للعلم ومقدّراً لدوره حيث وضعه في قمة أنواع الشرف وذلك بقوله “لا حسَب كالتواضع ولا شرف كالعلم”. وكان يدعو لرفض القهر بمختلف أشكاله لأنه يتنافى مع مبادئ الإسلام الحنيف مع الحريّة وشروطها، سواء الإكراه الاقتصادي أو الاجتماعي أو المادي أو النفسي.

القوى والضعيف

وإذا قرأنا هذه الآراء برؤية حداثية فيمكن أن نجد نفحاتها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث تحرّم (المادة الخامسة) “التعذيب والمعاملات القاسية والوحشية والحاطّة بالكرامة” و (المادة التاسعة) التي تدعو إلى عدم جواز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسّفاً، و (المادة الثانية عشر) التي تدعو لعدم تعريض الإنسان لتدخل تعسفي في حياته الشخصية أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته… إلخ.

وإذا كان ذلك يخصّ الجانبين المدني والسياسي من حقوق الإنسان، فإن العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قد فصّل الجانب الاجتماعي من حقوق الإنسان وهو الذي وجدنا بعض منطلقاته وأطيافه عند الإمام علي ، خصوصاً رفضه للظلم الذي كان يعتبره “لعنة كبرى”، وكان أفحش أنواع الظلم عنده هو “ظلم القوي للضعيف” و “المحتكر للعامة” و “الحاكم للمحكوم”. وقد خاطب الأشتر في أحد الأيام قائلاً “إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة”. فأين بعض الحكومات والحركات السياسية التي تدّعي التشبّث بالإسلام أو تنسب نفسها إلى الإمام علي من هذه الآراء والأفكار؟

حماية الحقوق

ولو راجعنا الدساتير الحديثة التي أخذت تتبنّى أفكار الحريّة وحقوق الإنسان كالدستور الأمريكي عام 1776، وميثاق حقوق الإنسان والمواطن بعد الثورة الفرنسية عام 1789، والثورات المعاصرة بوجهيها الوطني والاشتراكي، فإننا نراها جميعاً تؤكد على مُثُل الحريّة وحقوق الإنسان والإخاء والمساواة والقيم الإنسانية وإنصاف المظلوم وإحقاق الحق ومنع التعذيب.. إلخ بغضّ النظر عن الالتزام بها من عدمه وهي مفاهيم عمّق النظر فيها الإمام علي وإن كان ابن عصره إلّا أنه سبقه بمراحل طويلة من خلال نظرته الإنسانية الثاقبة وأحكامه المتقدمة ومثله الأصيلة. وهو ما أعطاه هذا الدور الريادي والموقع الفكري المتميز بصفته رمزاً تاريخياً مستمراً على مدى التاريخ البشري الذي هو صراع بين الحريّة والاستبداد، والعدالة والظلم، والمساواة والاستغلال والخير والشر.

الدرس التاريخي

واليوم، فإن العبرة ليست بتسطير هذه المبادئ أو وضعها وتقنينها في الدساتير أو في برامج الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية وحسب، أو إطلاق آيات التبجيل والتقديس على روادها، كما هو الإمام علي والفكر العربي الإسلامي، بل في كيفية استلهامها وفي جعلها موضع التطبيق وتقريبها من الروح الإنسانية في مواجهة تحديات العصر، بأخذ سماته وملامحه بنظر الاعتبار وبمعرفة مستجداته ومتغيراته والتعاطي معها بما يتناسب مع خط التطور والتقدم، بعيداً عن الانعزالية والتقوقع تحت أي حجّة أو مبرّر.

لحياة الإمام علي ومدرسته الفكرية والسياسية معنىً إنسانياً كبيراً يمكن أن ننهل منه الكثير بما يساعد في معالجة أوضاع الحاضر، بل والمستقبل أيضاً وفقاً لنزعته الإنسانية المتأصلة، وذلك دونما استقدام للماضي أو استحضاره على نحو يثير الخلاف والصراع العبثي.

وفي الوقت نفسه دونما هروب منه أو التنكّر له أو الترفّع عليه، بحجّة الحداثة المعاصرة، وبالقدر الذي تشكّل فيه دراسة التراث مسألة مهمة لا غنى عنها، ينبغي الابتعاد عن الوقوع في أسر الماضي بما يؤدي إلى التعصّب والانغلاق والجمود والسلفية التي لا ترى غير تقديس الماضي كلّه من دون فرزه.

كا ينبغي عدم إدارة الظهر للتراث برفض الماضي كله باسم المعاصرة أو بنظرة عدمية لا تقيم وزناً للتاريخ. وهنا لا بدّ من وقفة نقدية جديّة جريئة للتراث تنسجم مع أوضاع الحاضر وتسعى لتغييرها وفقاً لتغيير الأزمان انطلاقاً من القاعدة الفقهية “تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان”. وقديماً قال الإمام علي “لا تُكرهوا أولادكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”.

د. عبد الحسين شعبان

شاهد أيضاً

البكاء والعزاء على الإمام الحسين (ع) في كتب أهل السنة

من دون تطويل، وبلا مقدمات: دونك أربع مرويّات، بل حقائق ومسلّمات، ثبتت عند أهل السنة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *